مظاهر التعصب المذهبي في الحياة العلمية
-خلال العصر الإسلامي-
أثّر التعصب المذهبي في الحياة العلمية تأثيرا كبيرا طيلة العصر الإسلامي، فتجلى ذلك في مختلف مظاهر النشاطات العلمية على مستوى المؤسسات، و الإنتاج العلمي، و رجالات العلم، و القضايا المذهبية على مستوى أصول الدين و فروعه. فما تفصيل ذلك؟.
اتصف الأئمة الأربعة بصفات حميدة كثيرة، فأحبهم الناس و تمذهبوا لهم لأجلها، لكنهم-أي الناس- بالغوا في التفضيل و التعظيم، و المدح و الافتخار، و أصبحت كل طائفة تزعم أن إمامها هو أعظم الأئمة و أولى بالإتباع، و قال بعضهم بوجوب إتباعه و الالتزام بمذهبه، تعصبا للإمام و مذهبه.
فالحنفية كثيرا ما يُبالغون في تعظيم إمامهم و مدحه، من ذلك إنهم كثيرا ما يلتزمون بوصف إمامهم أبي حنيفة، بالإمام الأعظم، و قد كررها عبد القادر القرشي (ت 775 ه) في طبقات الحنفية كثيرا، و قال في بعضها: (( الإمام الأعظم، و الهمام الأقدم، و تاج الأئمة و سراج الأمة أبو حنيفة النعمان ) ) [1] .
و الشاهد الثاني هو أن الفقيه مُسعر بن كِدام (ت 155 ه) كان يقول: (( جعلتُ أبا حنيفة حجة بيني و بين الله تبارك و تعالى ) )، فقيل له: (( لقد استوثقت لنفسك ) ) [2] . و قوله هذا فيه مبالغة شديدة، لأنه لا يُوجد لله حجة بينه و بين خلقه إلا كتابه، و سنة رسوله-عليه الصلاة و السلام- الصحيحة،. و أما الرجال فكل طائفة تزعم ذلك في إمامها، كما أن الرجال مهما عظموا فهم بشر يُخطئون و يُصيبون، و لم يجعلهم حجة مطلقة على خلقه، إلا بقدر التزامهم بشرعه، قال تعالى: (( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا ) )- سورة النساء / 59 - .
(1) الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية، كراتشي ـ مير كتب خانة، د ت، ج 1 ص: 451، 524، 526، 556.
(2) نفس المصدر، ج 1 ص: 563.