عدة قرون، مما يدل على أنها لم تكن حالات استثنائية، و إنما كانت كثيرة الانتشار، بسبب التعصب المذهبي الذي كان يُغذيها.
كما أنها -أي الفتن المذهبية- أظهرت ما كان يُكنه كل طرف للآخر من حقد و كراهية، و تعصب أعمى، فكان كل منهما يتربص بخصمه الدوائر، للإقاع به، و الانقضاض عليه، انتقاما منه و تعصبا عليه.
لم تكن الطوائف السنية الأربعة: الحنفية، و المالكية، و الشافعية، و الحنبلية، بمنأى عن التعصب المذهبي فيما بينها، فقد كان متغلغلا فيها، على مستوى أصول الدين و فروعه، و أوصلها إلى الفتن المذهبية الدامية -خلال العصر الإسلامي -، و سأذكر منها الفتن الآتية إن شاء الله تعالى.
أولها ما حدث سنة 393 هجرية بين الشافعية و الحنفية ببغداد، سببها أن شيخ الشافعية أبا حامد الإسفراييني (ت 406 ه) أستطاع أن يُؤثر في الخليفة العباسي القادر بالله، و يُقنعه بتحويل القضاء من الحنفية إلى الشافعية، فلما فعل ذلك احتج الحنفية و دخلوا في مصادمات مع الشافعية [1] . و هذه الفتنة عثرتُ عليها عند المقريزي، و لم يذكر تفاصيلها و لا مآلها؛ لكن المعروف أن القضاء بقي بأيدي الحنفية ببغداد، مما يعني أن الخليفة قد تراجع عن موقفه و أعاد القضاء للحنفية.
كما أن هذه الفتنة لها خلفيات بسبب التعصب المذهبي القائم بين الطوائف السنية، لأنه ليس من العدل أن تحتكر طائفة منهم القضاء دون الطوائف الأخرى؛ لأن كل طائفة تريد أن تتولى القضاء و تحتكم فيه إلى مذهبها، و لا تحتكم إلى غير مذهبها.
و الفتنة الثانية حدثت بمدينة مرو ببلاد خُراسان بين الشافعية و الحنفية، عندما غيّر الفقيه منصور بن محمد السمعاني المروزي (ت 489 ه) مذهبه، فقد كان حنفيا مدة ثلاثين سنة، ثم تحوّل إلى المذهب الشافعي، و أعلن ذلك بدار الإمارة بمدينة مرو بحضور أئمة الحنفية و الشافعية، فاضطرب البلد لذلك، و هاجت الفتنة بين الشافعية و الحنفية، و دخلوا في قتال شديد، و عمّت الفتنة المنطقة كلها، حتى كادت تملأ ما بين خُراسان و العراق ن لكن السمعاني ظل ثابتا
(1) المقريزي: كتاب المواعظ و الاعتبار، ج 2 ص: 333 - 334.