و أشير هنا إلى أن مدينة الري كانت مسرحا لفتن مذهبية متعصبة كثيرة، جرّت على البلاد و العباد الخراب و الهلاك. فقد روى الرحالة المؤرخ ياقوت الحموي (ت626ه) أن مدينة الري كانت مدينة عظيمة في العصر الإسلامي الأول، لكنها أصبحت في زمانه خرابا في أكثرها، بسبب التعصب المذهبي بين طوائفها، فقد كان نصف سكانها من السنة، و النصف الآخر من الشيعة، فحدثت العصبية بينهم، و دخلوا في حروب طويلة، انتهت بإبادة الشيعة إلا من أخفى حاله، ثم بعد ذلك وقعت العصبية المذهبية بين السنيين أنفسهم، و بالتحديد بين الشافعية و الحنفية، فحدثت بينهم حروب انتصر فيها الشافعية، و لم يبق من الحنفية إلا من يخفي مذهبه، و بذلك خُرّبت محلات الشيعة و الحنفية، و لم يبق من مدينة الري إلا محلة الشافعية [1] .
و أما الفتن المذهبية التي حدثت بين السنة و الشيعة في القرن السابع الهجري، فعثرت منها على فتنتين، الأولى حدثت سنة 621ه بمدينة واسط، قال فيها المؤرخ ابن الأثير أنها حدثت على جاري عادتهم، دون أن يذكر أية تفاصيل عن أسبابها و مظاهرها و آثارها [2] .
و الثانية حدثت بينهما ببغداد سنة 655ه، و هي فتنة كبيرة نهب فيها السنيون حي الكرخ و دورا لأعيان الشيعة، من بينها دور أقرباء الوزير الشيعي مؤيد الدين بن العلقمي (ت656ه) ، فكان ذلك من الأسباب التي دفعته إلى مكاتبة المغول [3] . و قد روى القلقشندي أن أهل السنة لما نهبوا الكرخ ارتكبوا قبائح شنيعة، منها أنهم هتكوا النساء، و ركبوا منهن الفواحش [4] . و هذه الفتنة لم أعثر على أسبابها، لكن يبدوا لي أنها حدثت بسب تطاول الشيعة على أهل السنة بدعم من الوزير ابن العلقمي ضمن النزاع المذهبي القائم بين الطائفتين، لذلك لما حدثت هذه الفتنة تدخل ولي العهد أبو بكر بن الخليفة المستعصم لمساندة السنيين [5] . و تًعد هذه الفتنة من أخطر الفتن التي حدثت بين السنة و الشيعة، لما ترتّب عنها من تعاون الوزير مؤيد الدين بن العلقمي مع المغول في غزوهم لبغداد و تخريبهم لها [6] .
و ختاما لمبحث الفتن المذهبية بين السنة و الشيعة، يتبين جليا أن التعصب المذهبي بينهما كان شديدا، أوصلهم إلى الاقتتال و إزهاق الأرواح، و تخريب العمران، و كثرة الفتن، على امتداد
(1) ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 3 ص: 117.
(2) الكامل في التاريخ، ج 10 ص: 442.
(3) ابن كثير: البداية، ج 13 ص: 196. و الذهبي: السير، ج 23 ص: 180.
(4) مآثر الأنافة، ج 2 ص: 90.
(5) انظر: ابن كثير، المصدر السابق، ج 13 ص: 196. و. و الذهبي: السير، ج 23 ص: 180.
(6) سنتناول مسألة تعاون ابن العلقمي مع المغول في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى.