و ختاما لما ذكرناه، يتبين أن التعصب المذهبي بين الطوائف السنية أوصلها إلى المصادمات الدامية و الفتن الشنيعة، بسبب الخلافات الفقهية و العقيدية القائمة على التعصب المذموم. فعبّرت تلك الفتن بوضوح على ما كانت تُكنه كل طائفة للأخرى من حقد و كراهية و حسد و تعصب. كما أنها دلّت على أنها لم تكن حوادث شاذة معزولة، و إنما كانت حوادث جماعية كثيرة، من ورائها جماعات مٌنظمة و موجهة ذات أهداف محددة.
حدثت فتن مذهبية بين أهل السنة و الطائفة الكرّامية المجسمة [1] ببلاد خُراسان، بسبب الخلافات المذهبية و التعصب لها، الأمر الذي أوصلهم إلى المنازعات و المصادمات، أذكر منها فتنتين، الأولى حدثت بنيسابور سنة 489 هجرية، بين الشافعية و الحنفية من جهة و بين الكرامية من جهة أخرى، فكان على رأس الشافعية أبو القاسم بن إمام الحرمين الجويني، و على رأس الحنفية القاضي محمد بن احمد بن صاعد، و على رأس الكرامية مقدمهم محمشاد، فنعاون الشافعية و الحنفية على الكرامية، و حدثت فتنة كبيرة مدمرة، خُرّبت فيها مدارس الكرامية، و قُتل فيها خلق كثير من الكرامية و غيرهم [2] . و هذه الفتنة أوجزها المؤرخ ابن الأثير، و لم يذكر تفاصيلها و لا أسبابها، و إن كان ظاهرها يُشير إلى أنها حدثت بسبب الخلافات المذهبية و التعصب لها.
و الفتنة الثانية حدثت ببلاد خُراسان سنة 595 هجرية بين الكرامية من جهة و المتكلم الفخر الرازي من جهة ثانية، و ذلك أنه لما حلّ الفخر الرازي (ت 606 ه) عند الملك غياث الدين الغوري الغزنوي، أكرمه و بنى له مدرسة بهراة، فلم يُعجب ذلك الكرامية - و هم أكثر الغوريية-، الذين أبغضوا الفخر الرازي و أحبوا إخراجه، فجمعوا طائفة من فقهاء الحنفية و الشافعية و الكرامية بحضور شيخهم ابن القدوة لمناظرة الفخر الرازي، فناظره ابن القدوة و انتهى بهما الأمر على السب و الشتم. فاستغل الكرامية ذلك و جمعوا الناس في المسجد الجامع، و قال أحدهم للناس: (( إنا لا نقول إلا ما صحّ عندنا عن رسول الله، و أما علم أرسطاطالس، و كفريات ابن سينا، و فلسفة الفارابي، و ما تلبّس به الرازي، فإنا لا نعلمها و لا نقول بها، و إنما هو كتاب الله و سنة رسوله؛ لأي شيء يُشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام-أي ابن القدوة- يذب عن دين الله و رسوله على لسان متكلم-أي الفخر الرازي- ليس معه على ما يقول دليل ) )، فبكى الناس و استغاثوا، و هاجوا و ثاروا، عمت الفتنة البلاد، و كاد الأمر أن يتحول على
(1) ينتسبون إلى المتكلم أبي عبد الله محمد بن كرّام السجستاني (ت قرن:3 ه) ، و هم يعتقدون التجسيم و التشبيه في صفات الله تعالى. أنظر: عبد القاهر البغدادي: الفرق بين الفرق، ص: 215 و ما بعدها.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 9 ص: 23.