و ختاما لهذا المبحث يتبين أن التعصب المذهبي أوصل الطوائف الإسلامية إلى التكفير و التضليل و التبديع، و أذهب أخوتهم و وحدتهم. و قد أصاب الفقيه المجدد محمد بن علي الشوكاني عندما قال: (( ها هنا تُسكب العبرات، و يُناح على الإسلام و أهله، بما جناه التعصب في الدين على غالب المسلمين، من الترامي بالكفر لا لسنة، و لا لقرآن، و لا لبيان من الله، و لا لبرهان، بل لما غلبت مراجل العصبية في الدين، و تمكن الشيطان الرجيم من تفريق كلمة المسلمين، لقنهم إلزامات بعضهم لبعض، بما هو شبيه الهباء في الهواء، و السراب البقيعة، فيا لله و للمسلمين، من هذه الفاقرة التي هي من أعظم فواقر الدين و الرزية ) ) [1] .
أوصل التعصب المذهبي كثيرا من المتمذهبين المتعصبين إلى قتل غيرهم من الطوائف الأخرى، انتصارا للمذهب و تعصبا على المخالفين، و حوادث القتل ذات الصبغة المذهبية كثيرة، منها الحوادث الآتية، منها ما فعله الشيعة العُبيديون بالسنيين في دولتهم، فكان ملكهم عبيد الله المهدي (267 - 322 ه) مستحلا لدماء السنيين بالمغرب الإسلامي، حتى أنه كان يرسل أعوانه إلى منازل فقهاء أهل السنة و أعيانهم ليذبحوهم في بيوتهم و على فرشهم [2] . و كان ملكهم عبد الله العاضد (555 - 567 ه) سبابا خبيثا إذا رأى سنيا استحل دمه [3] .
و من المغاربة الذين قتلهم عبيد الله المهدي: محمد بن موسى التمار القيرواني ضربه 200 سوط فمات. و المؤذن عمروس، اُتهم بعدم الالتزام بآذان الشيعة، فقطع لسانه و طيف به ثم مات. و منهم أيضا: ابن البرذون، و ابن الهُذيل ـ قتلهما ثم صلبهما [4] .
و منهم أيضا القاضي محمد بن الحبلي (ت فرن:4 ه) فإنه عندما رفض أن يفطر يوم عيد الفطر لاعتماد الشيعة على الحساب لا على الهلال، طلبه المنصور بن القائم العبيدي (ت 341 ه) عندما سمع به، فلما حضر قال له: (( تنصّل و أعفوا عنك، فامتنع، فأمر به، فعُلق في الشمس إلى أن مات، و كان يستغيث من العطش فلم يُسق، ثم صلبوه على خشبة، فلعنة الله على الظالمين ) ) [5] .
(1) الشوكاني: السيل الجرار، ط 1، بيروت، دار الكتب العلمية، 1405 ه، ج 4 ص: 584.
(2) أبو شامة المقدسي: كتاب الروضتين في أخبار الدولتين، حققه إبراهيم الزئبق، ط 1، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1997، ج 2: 218.
(3) الذهبي: السير، ج 15 ص: 208.
(4) القاضي عياض: ترتيب المدارك، ترجمة أبي جعفر بن موسى التمار، ج 2 ص: 96.
(5) الذهبي: السير، ج 15 ص: 374.