فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 180

و الشاهد الرابع بتعلق بالمتكلم أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي ابغدادي (ت 513 ه) ، فإنه عدّ مقالة الأشاعرة في كلام الله تعالى، ضلالة و بدعة و خطرا على المسلمين [1] . و الشاهد الخامس هو إن الحافظ عبد الغني المقدسي (ت 600 ه) ، لما تألب عليه جماعة من الأشاعرة و كفّروه و اتهموه بالتجسيم، أصرّ هو على مذهبه و ضللهم كلهم [2] .

و آخرها -أي الشاهد السادس- يتعلبق بالفقيه الموفق بن قدامة المقدسي (ت 620 ه) ، فإنه ألحق الأشاعرة بالمبتدعة، و شبههم بالزنادقة - في موقفهم من كلام الله - بقوله: (( و لا نعرف في أهل البدع طائفة يكتمون مقالتهم، و لا يتجاسرون على إظهارها، إلا الزنادقة و الأشعرية، رغم أنهم هم ولاة الأمر و أرباب الدولة، و مع ذلك لا يُظهرون مقالتهم لعامة الناس ) ) [3] .

و بذلك يتبين مما ذكرناه أن أهل السنة هم أيضا فرّقتهم الخلافات الأصولية و الفروعية، و قسّمتهم إلى طوائف متناحرة متنازعة، فتبادلت التكفير و التضليل و التبديع، انتصارا لمذاهبها و تعصبا لها و على خُصومها.

و ثالثا فإنني أُشير هنا إلى أن التكفير و التضليل لم ينحصر بين الشيعة و السنة، و لا بين السنيين أنفسهم، و إنما حدث أيضا بين المعتزلة و أهل السنة، و بين الخوارج و السنيين، فالمعتزلة كفّروا من خالفهم في أصولهم كمسألة الصفات و كلام الله؛ فردّ عليهم أهل السنة بالتكفير هم أيضا، بسبب انحرافهم عن الشرع في مسألة الصفات و كلام الله تعالى [4] .

و أما الخوارج فقد ظهر تطرفهم و تعصبهم مبكرا، عندما كفّروا عليا، و عثمان، و الحكمين عمرو بن العاص و أبا موسى الأشعري، و أصحاب الجمل، و كل من رضي بتحكيم الحكمين، كما أنهم كفروا أيضا مرتكب الذنوب [5] -أي الكبائر-. و كان صاحب الحمار مخلد بن كِداد الخارجي الإباضي المغربي (ت 336 ه) يُكفر أهل الملة، و يسب علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- [6] . فرد عليهم أهل السنة بالتضليل و التكفير و التبديع، بسب تكفيرهم لكثير من الصحابة و جماهير الأمة، و ما ارتكبوه في حق المسلمين من تقتيل و ترويع [7] .

(1) ابن عقيل: الرد على الأشاعر، نشرته مجلة نشرة الدراسات الشرقية، المعهد الفرنسي بدمشق، العدد 24 1971،، ص: 86.

(2) الذهبي: السيّر، ج 21 ص: 464.

(3) ابن قدامة: مناظرة في القرآن، ط 1، الكويت، مكتبة ابن تيمية، 1990 ص: 58.

(4) انظر-مثلا-: عبد القاهر البغدادي: الفرق بين الفرق، ص: 114 و ما بعدها، 357. و ابن كثير: البداية، ج 10 ص: 305. و أبو الحسين بن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 37، 537.

(5) عبد القاهر البغدادي: نفس المصدر، ص: 13.

(6) ابن خلدون: كتاب العبر، ج 7 ص: 18.

(7) انظر مثلا: عبد القاهر البغدادي: المصدر السابق، ص: 84، 357. و أبو يعلى الفراء: المعتمد في أصول الدين، ص: 267. و ابن مفلح المقدسي: الفروع، ج 6 ص: 155.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت