و الشاهد السادس مفاده أن الشاعر السراج الحمصي (ت قرن: 9ه) نظم قصيدة انتصر فيها لابن تيمية، و كفّر فيها من كفّره، فغضب الفقيه محمد بن زُهرة الدمشقي الشافعي (ت848ه) ، و تصدى له و كفّره، - أي كفّر السراج الحمصي-، فوقف الناس بجانب ابن زهرة، حبا و تعصبا
، فاضطر السراج الحمصي إلى الفرار من بلده [1] .
و آخرها- أي الشاهد السابع عشر- يتعلق بالفقيه المفسر البرهان بن عمر البِقاعي الشافعي (ت885ه) ، قال بكفّر الصوفيين الاتحاديين: عمر بن الفارض (ت 633ه) و محي الدين بن عربي (638ه) ، و ألف فيهما كتابا سماع: تنبيه الغبي بتكفير عمر بن الفارض و ابن عربي، فانتقده كثير من أهل العلم، و تناولوه بالألسنة و الردود، منهم: جلال الدين السيوطي (ت 911ه) ، و إبراهيم بن محمد الحلبي، فألف الأول كتاب عنوانه: تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي. و ألف الثاني كتابا سماه: تسفيه الغبي في تكفير ابن عربي [2] .
و أما التضليل المتبادل بين السنيين فهو أيضا كانت سوقه رائجة، بسبب التعصب المذموم، في عصر سيطر عليه التقليد و العصب المذهبيين، فمن ذلك، الشواهد الآتية: أولها يتعلق بموقف الحافظ أبي نصر السجزي (ت444ه) من أئمة الكلابية و الأشعرية الأوائل، كابن كلاب، و أبي العباس القلانسي، و أبي الحسن الأشعري، و ابن مجاهد البصري، و أبي بكر الباقلاني، فإنه جعل كل هؤلاء من أئمة الضلال و ألحقهم بالمعتزلة، لأنهم يدعون الناس إلى مخالفة السنة، و ترك الحديث، و ضررهم -عند السجزي- أكثر من ضرر المعتزلة [3] .
و ثانيها ما قاله ابن حزم عن الأشاعرة في موقفهم من كلام الله تعالى، فعدّ مقالتهم فيه ضلالا و استهزاء بآيات الله، و سخرية بالمسلمين [4] . و ثالثها ما كتبه علماء الأشاعرة في رسالتهم إلى الوزير نظام الملك بسبب فتنة ابن القشيري سنة 469 هجرية، فكان مما وصفوا به الحنابلة، إنهم تمادوا في ضلالهم، و أصروا على جهالتهم [5] .
(1) نفس المصدر، ج2 ص: 277.
(2) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، ج 9 ص: 510. و حاجي خليفة: كشف الظنون، بيروت، دار الكتب العلمي' 1992ه ج 1 ص: 404.
(3) رسالة السجزي، ص: 57.
(4) الفصل في الملل، ج 4 ص: 160.
(5) ابن عساكر: تبيين كذب المفتري، ص: 311.