فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 180

في الدولة كقاض، رغم أن الشيخ عالم جليل مشهود له بالتقوى و الصلاح و الجهاد بالسيف و القلم.

و الشاهد الخامس يتعلق بما حدث للفقيه احمد بن مري البعلي الحنبلي (ت ق:8 ه) على يد القاضي المالكي تقي الدين الأخنائي سنة 725 هجرية، فإنه -أي ابن مري- لما أظهر انتصاره لآراء شيخه ابن تيمية، و اُتهم بالحط على الصوفية و العصب لشيخه، و رُفع أمره إلى القاضي الأخنائي، تعصب عليه و بالغ في عقابه، فضربه صربا مُبرحا حتى أدماه، و شهّر به بين الناس، فكادت العامة أن تقتله، ثم سجنه، و بعد مدة شُفع فيه فأخرجه و رحّله من القاهرة إلى الخليل بفلسطين [1] .

و الشاهد الأخير -أي السادس- يتعلق بتعصب القاضي الشهاب بن الزهري الدمشقي و تهوّره في تصرّفه مع الفقيه محمد بن خليل الحريري الدمشقي (ت 785 ه) ، فلما بلغه أن الحريري أفتى برأي ابن تيمية في الطلاق، و قوله أن الله في السماء، طلبه و ضربه بالدرة، و طوّف به على أبواب دور القضاة، ثم اعتذر له و قال له: أخطأتُ فيك عندما قيل لي: إن فلانا الحريري قال كيت و كيت [2] .

و أشير هنا إلى أن الفقيه المحقق محمد بن علي الشوكاني (1250 ه) قد انتقد قضاة المالكية المتعصبين انتقادا لاذعا، و قال: (( و قد امتحن الله تلك الديار -أي المصرية و الشامية- بقضاة من المالكية يتجرؤون على سفك الدماء، بما لا يحل به أدنى تعزير، فأراقوا دماء جماعة من أهل العلم جهالة و ضلالة و جرأة على الله، و مخالفة لشريعة رسول الله، و تلاعبا بدينه، بمجرد نُصوص فقهية، و استنباطات فروعية ليس عليها أثارة من علم، فإنا لله و إنا إليه راجعون ) ) [3] .

و بذلك يتبين مما ذكرناه أن تمذهب جهاز القضاء في الدول الإسلامية-خلال التاريخ الإسلامي- زاد في انتشار التعصب المذهبي و كرّسه، و مكّن كثيرا من القضاة المتعصبين من استغلال نفوذهم في الدولة لخدمة مذاهبهم، و التعصب على خُصومهم.

ثالثا: استخدام الطوائف المذهبية للسلطة خدمة لمذاهبها:

(1) ابن حجر: الدرر الكامنة، ج 1 ص: 358.

(2) ابن حجر: إنباء الغمر، ج 1 ص: 97.

(3) البدر الطالع، ج 1 ص: 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت