لما كانت الدول الإسلامية متمذهبة و متعصبة لمذاهبها -خلال العصر الإسلامي- استغلت الطوائف المذهبية ذلك الوضع لخدمة مذاهبها و التعصب على معارضيها، فكانت كل طائفة - في الغالب- تصل إلى السلطة، أو لها فيها نفوذ قوي، إلا و سعت إلى تحقيق مكاسب مذهبية على حساب معارضيها من الطوائف الأخرى.
فبالنسبة للمعتزلة، فقد استغلوا وجودهم في السلطة لخدمة مذهبهم و التعصب على مخالفيهم، من ذلك ما فعله الخليفة المعتزلي المأمون بن هارون الرشيد (198 - 218ه) ، فإنه مكّن للمعتزلة في دولته، و فرض رأيهم على الناس في القول بخلق القرآن، مستخدما في ذلك الترغيب و الترهيب معا، و جعل من لم يقل برأيهم كافرا ملحدا، و هدد جماعة من العلماء بالقتل إن هم لم يقولوا بخلق القرآن [1] .
و منهم أيضا الخليفة المعتزلي المعتصم (218 - 227ه) ، سار على نهج أخيه المأمون -كان قد أوصاه بذلك - فانتصر للمعتزلة، و واصل امتحان أهل السنة بالقول بخلق القرآن، و أرسل إلى واليه بمصر يأمره بامتحان أهلها بذلك، فنالت علماء مصر محنة عظيمة، و ضُرب كثير منهم بالسياط، كمحمد بن عبد الحكم، و أبي إسحاق الفريقي، و أبي جعفر الإيلي [2] .
و كذلك الخليفة الواثق (227 - 232ه) ، فقد كان على رأي المعتزلة في مسالة خلق القرآن، و سار على نهج سابقيه في ذلك، فامتحن رعيته ببغداد، و أرسل إلى ولاته يأمرهم بذلك، و كان قاضيه على مصر: أبو بكر الأصم، قد اشتد في امتحان الناس بالقول بخلق القرآن، و ملأ السجون من المعارضين له، و أمر بكتابة: القرآن مخلوق، على أبواب المساجد [3] .
و رابعهم شيخ المعتزلة قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد البغدادي (ت 240ه) ، هو رأس الاعتزال في زمانه، و كان له نفوذ قوي على المأمون و المعتصم و الواثق، تولى قضاء القضاة زمن هذين الأخيرين، و هو الذي حرّض هؤلاء الخلفاء على امتحان رعيتهم بالقول بخلق القرآن، و أن الله تعالى لا يُرى يوم القيامة، و هو الذي شغّب على الإمام أحمد بن حنبل و أفتى بقتله. و هو الذي قال في أحمد بن نصر -عندما عارض الواثق-: (( هو كافر يُستتاب، لعل به عاهة، أو نقص عقل يا أمير المؤمنين ) )، فنهض الواثق و طعن ابن نصر بالسيف و جَزّ رأسه، و أمر بتعليقه بالجانب الشرقي من بغداد [4] ... .
(1) السيوطي: تاريخ الخلفاء، حققه محمد محي الدين عبد الحميد، ط 1، مصر، مطبعة السعادة، 1952، ص: 308.
(2) القاضي عياض: ترتيب المدارك، ج 1 ص: 269.
(3) نفس المصدر، ج 1 ص: 359. و ابن العماد الحنبلي: شذرات، ج 3 ص: 140.
(4) ابن كثير: البداية، ج 10 ص: 305. و ابن العماد، نفس المصدر، ج 3 ص: 179، 180.