فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 180

ردود فعل معارضة لدى باقي الطوائف، التي هي بدورها تريد أن تتعامل بمذهبها و تتعصب له، و تتطلع لأن يكون هو مذهب الدولة الرسمي، مما يعني أن ما فعله العباسيون في تعاملهم مع المذاهب الفقهية لم يكن صوابا و لا حكيما.

و الشاهد الثاني هو أن الدولة الأيوبية (569 - 648 ه) جعلت القضاء بيد الشافعية و مكنتهم في دولتها [1] . ثم تغير الحال في دولة المماليك (648 - 923 ه) ، ففي سنة 663 هجرية أمر السلطان الظاهر بيبرس بتعيين أربع قضاة بمصر يمثلون المذاهب السنية الأربعة، ثم طُبق نفس الأمر بالشام في سنة 664 هجرية [2] . و بذلك كُرس التعصب و التفرق المذهبيين باسم القانون، و أصبحت الدولة تحتكم إلى أربعة مذاهب تختلف أحكامها في كثير من المسائل، فكان تصرّفها هذا هو أيضا ليس صوابا و حكيما [3] .

و الشاهد الثالث يتعلق بالقاضي الحنفي محمد بن موسى البلاساغوني التركي (ت 506 ه) ، فإنه عندما كان قاضيا على دمشق استغل نفوذه في الدولة و أخذ محراب الشافعية بالجامع الأموي و أعطاه للحنفية، و جعل الإمامة لهم، فثار عليه العوام فلم يلتفت إليهم، و بقي المحراب بأيدي الحنفية إلى أن ملك السلطان صلاح الدين دمشق، فنزعه منهم و أعاده للشافعية سنة 570 هجرية [4] .

و الشاهد الرابع يخص القاضي المالكي ابن مخلوف، إنه عندما اعترض الأشاعرة على الشيخ تقي الدين بن تيمية في مسألة صفات الله تعالى و رفعوا أمره إلى القضاء، حكم عليه ابن مخلوف بالكفر و السجن [5] . فكان هذا القاضي أشد القضاة الأربعة تعصبا و انحرافا على ابن تيمية، لذا وصفه المحقق محمد بن علي الشوكاني بأنه كان: جاهلا غبيا من الشياطين المتجرئين على سفك دماء المسلمين بمجرد الأكاذيب، و ناهيك بقوله: (( إن هذا الإمام -أي ابن تيمية- قد استحق القتل، و ثَبُت لديه كفره، و لا يُساوي شعرة من شعراته، بل لا يصلح أن يكون شسعا لنعله ) )، و قد كان هذا (( القاضي الشيطان يتطلب الفرص التي يتوصل بها إلى إراقة دم هذا الإمام، فحجبه الله عنه، و حال بينه و بينه، و الحمد لله رب العالمين ) ) [6] . فهذا القاضي أعماه تعصبه المذهبي حتى جعله يُكفر الشيخ تقي الدين ابن تيمية و يُفتي بإباحة دمه، مُستغلا في ذلك نفوذه

(1) ابن تغري بلدي: النجوم الزاهرة، ج 7 ص: 134. و المقريزي: المصدر السابق، ج 2 ص: 343.

(2) المقريزي: السلوك في معرفة دول الملوك، ج 1 ق: 2 ص: 342، 539.

(3) سنطرح الحل لهذه القضية في الفصل الرابع، إن شاء الله تعالى.

(4) صلاح الدين الصفدي: الوافي بالوفيات، ج 5 ص: 87. السبط: مرآة الزمان، ج 1 ق: 8 ص: 44.

(5) الشوكاني: البدر الطالع، ج 1 ص: 67.

(6) نفسه، ج 1 ص: 67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت