و الشاهد الثالث عشر يتعلّق بالشيخ تقي الدين بن تيمية، فإنه لما أظهر مذهبه في صفات الله تعالى على طريقة السلف و أهل الحديث تألّب عليه جماعة من الأشاعرة و رفعوا أمره إلى السلطان، ثم انتهى أمره إلى قضاة المذاهب الأربعة، فحكم عليه القاضي المالكي ابن مخلوف بالسجن و الكفر [1] .
و هذا القاضي-أي ابن مخلوف- قال فيه الشوكاني: كان جاهلا غبيا (( من الشياطين المتجرئين على سفك دماء المسلمين، بمجرد أكاذيب ... و ناهيك بقوله إن هذا الإمام-أي ابن تيمية- قد استحق القتل، و ثبت لديه كفره، و لا يساوي شعرة من شعراته، بل لا يصلح أن يكون شسعا لنعله. و ما زال هذا القاضي الشيطان يتطلّب الفرص التي يتوصل بها إلى إراقة دم هذا الإمام -أي ابن تيمية- فحجبه الله عنه، و حال بينه، و الحمد لله رب العالمين ) ) [2] .
و الشاهد الرابع عشر مفاده أن الواعظ إبراهيم الحلواني الشافعي (ت780ه) كان له مجلس بجامع الأزهر يقرأ فيه صحيح البخاري، فجاءه ذات يوم رجل بكتاب فيه مناقب الشافعي، و قال له: أمرك القاضي برهان الدين بن جماعة الشافعي بقراءة الكتاب على الناس، فكان مما قرأه عليهم أن رجلا رأى النبي-عليه الصلاة و السلام- في المنام و هو يقرأ قوله تعالى (( فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ) )- سورة الأنعام / 89 - ، فلما قرأ (( فإن يكفر بها هؤلاء ) )، أشار إلى الإمام أبي حنيفة و أصحابه -أي كفّرهم-، و أشار ببقية الآية إلى الإمام الشافعي و أصحابه-مدحا و تعصبا لهم-، فشكاه بعض الحنفية إلى قاضيهم-أي قاضي الحنفية-، فعزّره و سجنه [3] .
و الشاهد الخامس يتعلق بالفقيه الحنفي العلاء بن محمد العجمي (ت814ت) ، كفّر الصوفي الاتحادي محي الدين بن عربي (ت 638ه) ، و بدّع تقي الدين بن تيمية و كفّره هو أيضا، و قال إن من سماه شيخ الإسلام كافر مثله، فرد عليه الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (ت قرن:9ه) في كتاب سماه: الرد الوافر على من زعم أن من أطلق على ابن تيمية أنه شيخ الإسلام كافر، جمع فيه العلماء الذين سموا ابن تيمية بشيخ الإسلام، من معاصريه، من مختلف المذاهب ما عدا المذهب الحنبلي، و ذكر فيه كثيرا من مناقبه، ثم أرسل نسخة منه على القاهرة، فاستحسنه جماعة من أعيان علماء مصر، كابن حجر، و علم الدين البلقيني [4] .
(1) الشوكاني: البدر الطالع، ج1 ص: 67.
(2) نفسه، ج1 ص: 67.
(3) ابن حجر: إنباء الغمر ج1 ص: 70.
(4) الشوكاني: المصدر السابق، ج 2 ص: 261.