و منهم أيضا الزاهد أبو بكر محمد النابلسي (ت 364ه) فإنه عندما أُخذ إلى الحاكم الفاطمي أبي تمام المعز العبيدي (341 - 365ه) ، قال له: بلغني أنك قلتَ لو أن معي عشرة أسهم لرميتُ الروم بتسعة، و رميتُ المصريين بسهم. فقال: ما قلتُ هذا، فظن المعز أنه رجع عن قوله، فقال له: كيف قلتَ؟، قال: قلتُ ينبغي أن نرميكم بتسعة، ثم نرميهم بالعاشر. فقال المعز: لما؟، قال: لأنكم غيرتم دين الأمة، و قتلتم الصالحين، و أطفأتم نور الإلهية، و ادعيتم ما ليس لكم. فأمر المعز بالتشهير به في اليوم الأول، ثم ضُرب في اليوم الثاني بالسياط ضربا شديدا مبرحا، ثم أمر بسلخه في اليوم الثالث، فتولى سلخه رجل يهودي، فكان يسلخه و أبو بكر النابلسي يقرأ القرآن، فلما بلغ تلقاء قلبه طعنه بالسكين فمات -رحمه الله تعالى-، و كان يُقال له الشهيد، و إليه يُنسب بنو الشهيد بنابلس، زمن الحافظ ابن كثير المُتوفى سنة774ه [1] .
و من قتلاهم أيضا: رجل سني بدمشق، و ذلك أنه عندما كانت مدينة دمشق تابعة للعبيديين، أقدم واليهم عليها: تموصلت البربري على قتل ذلك الرجل سنة 393هجرية، و قبل قتله أُركب حمارا و طيف به، و قيل: هذا جزاء من يُحب أبا بكر و عمر، ثم قُتل [2] .
و ذكر الحافظ الذهبي أن الذين قتلهم الحاكم الشيعي عبيد الله المهدي و بنوه بلغوا: 4 آلاف سني، قتلوهم في دار النحر ليردوهم عن الترضي عن الصحابة- رضي الله عنهم- فأبوا و اختاروا الموت، و فيهم قال أحد الشعراء:
و أحل دار النحر في أغلاله + من كان ذا تقوى و ذا صلوات [3]
و من حوادث الفتل أيضا: ما فعله شيعة قرامطة [4] البحرين بحجاج أهل السنة، ففي سنة 294هجرية اعترض القرامطة طريق حجاج خُراسان -أثناء عودتهم- فقتلوا الرجال، و سبوا النساء، و أخذوا الأموال، و قيل أنهم قتلوا منهم: عشرين ألف قتيل [5] .
و في سنة 317هجرية دخل القرامطة الحرم المكي بغتة، و وثبوا على حجاجه قتلا و نهبا، بداخله و ما حوله، و رموا بالقتلى داخل بيت زمزم، و دفنوا بعضهم في أماكنهم من الحرم. ثم قلعوا الحجر الأسود، و أخذوه معهم إلى بلدهم بالبحرين، فبقي عندهم عشرين سنة، ثم ردوه إلى
(1) ابن كثير: البداية و النهاية، ج 11 ص: 284.
(2) الذهبي: السير، ج 15 ص: 131.
(3) نفس المصدر، ج 15 ص: 145. و العبر في خبر من غبر، ج 2 ص: 200.
(4) هم شيعة رافضة إسماعيلية باطنية، يُظهرون الرفض و يُبطنون الكفر، و يقولون بالأئمة المعصومين. و سموا قرامطة نسبة لقرمط بن الأشعث، و مؤسس دولتهم هو أبو سعيد الجنابي القرمطي. ابن الجوزي: المنتظم، ج 5 ص: 110 و ما بعدها. و ابن كثير: البداية، ج 11 ص: 61، 62.
(5) ابن الأثير: الكامل، ج 6 ص: 433. و ابن كثير: نفس المصدر، ج 11 ص: 101.