فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 180

و قال أيضا إنه ليس مع نفاة الأسباب و المسببات، نقل و لا عقل و لا إجماع، و الكل يشهد ببطلان قولهم، و جِماعه أن (( كمال الرب تعالى و جلاله، و حكمته وعدله، و رحمته و قدرته، و إحسانه و حمده، و مجده و حقائق أسمائه الحسنى، تمنع كون أفعاله صادرة منه لا لحكمة، و لا لغاية مطلوبة ) ) [1] .و قولهم أن الله- عز و جل- رد الأمر إلى محض المشيئة بقوله: (( يعذب من يشاء و يرحم من يشاء) -سورة العنكبوت/21 - و (( لا يُسأل عما يفعل ) )-سورة الأنبياء/23 - فهو كلام حق، لا يوجد فيه إبطال حكمته و حمده، وإنما هو يفعل ما يشاء بأسباب و حِكم لغايات مطلوبة، و عواقب محمودة، و قوله: (( لا يُسأل عما يفعل و هم يُسألون ) )فهو لكمال علمه و حكمته، لا لعدمهما [2] .و لا يحصل الكمال و الصلاح بالقدرة و العلم المجردين عن الحكمة، وإنما يحصلان بهما و بالحكمة معا؛ و اسمه: الحكيم يتضمن (( حكمته في خلقه، و أمره في إرادته الدينية و الكونية، و هو حكيم في كل ما خلقه و أمر به ) )،و حِكمته في هذا الوجود تقع على الوجه المقدر لها، بما (( خلق لها من الأسباب التي لا تنال غاياتها إلا بها. فوجود هذه الأسباب بالنسبة للخالق الحكيم هو من الحكمة، ولهذا يقرن-سبحانه- في كتابه بين اسمه الحكيم و اسمه العليم تارة، و بين اسمه العزيز و اسمه الحكيم تارة- أخرى- كقوله: (( و الله عليم حكيم ) )-سورة الأنفال/71 - و (( الله عزيز حكيم ) ) [3] -سورة الأنفال/10 - .

و نبّه ابن قيم الجوزية إلى أن القرآن الكريم مملوء بإثبات الأسباب كقوله تعالى: (( بما كنتم تعملون ) )-سورة لقمان/15 - و (( بما كنتم تكسبون ) )-سورة الأعرف/39 - و (( بما كسبت أيديكم ) )-سورة الشورى/30 - ،و أشار إلى أنه لو تتبعنا ما يفيد الأسباب في الكتاب و السنة لزاد عن عشرة آلاف موضع، و لا يوجد كتاب أعظم إثباتا للأسباب من القرآن الكريم، ومن الخطأ إيهام الناس بأن التوحيد لا يتم إلا بإنكار الأسباب، فإن الله هو الذي خلق الأسباب و المسببات، و هي طوع مشيئته و قدرته، و منقادة لحكمه [4] .

و يقول الباحث محمد المبارك: أن الكون مُحكم بسنن مقدرة مطردة، جعلت حوادثه تقترن ببعضها اقترانا خاصا، و تتلاحق بحيث يستتبع بعضها بعضا، وتسير على نسق منظم مطرد، و هذا قد دلت عليه آيات قرآنية كثيرة، كقوله تعالى: (( و أرسلنا الرياح لواقح، فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه ) )-سورة الحجر/22 - و (( جعلنا من الماء كل شيء حيا ) )-سورة الأنبياء/30 - . فيتبين من ذلك أن نفي الأسباب لا يتفق مع آيات الكتاب و السنة النبوية، و يسد باب العلم القائم على مشاهدة الارتباط المطرد بين الحوادث، و الكشف عن سنن الكون [5] .

و تعقيبا على ما ذكرناه أقول: إن مظاهر الحكمة و السببية و طبائع المخلوقات، حقيقة مشاهدة في الواقع، وأشارت إليها نصوص شرعية كثيرة؛ وإثباتها لا يؤدي إلى اعتقاد الشرك، ولا إلى القول بالحاجة في حق الله تعالى، فهو غني بذاته، خالق كل شيء، وفق حِكم و سنن مقدرة، لقوله تعالى: (( وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) )-سورة الفرقان/2 - .و الذين أنكروا ذلك من الحنابلة و الأشاعرة ليس لهم ما ينقضون به تلك الحقيقة، إلا تأويلات وظنون لا تصمد أمام النقد العلمي؛ و جحودهم لطبائع الأشياء و الأسباب المتحكمة فيها يستلزم إنكار كل العلوم، لأنها تقوم أساسا على السببية و السنن الاجتماعية و الطبيعية.

و فيما يخص الحكمة و الغائية في الطبيعة فقد كشفت الدراسات العلمية الحديثة عن وجود توازن مدهش يتحكم في كل مظاهر الكون، و أن خواص المادة ملائمة تماما للحياة على وجه الأرض بطريقة فذة محكمة، وأن أدنى زيادة أو نقص فيها يجعل الحياة عليها مستحيلة، ودل التاريخ الطبيعي للأرض أن التطورات التي شهدتها عبر مراحلها الجيولوجية، كانت كلها تسير نحو الغائية و التدبير [6] ؛ ثم توجت في النهاية بظهور الإنسان الذي وَجَد الأرض مهيأة ومسخرة له وفق سُنن إلهية مُحكمة. الأمر الذي يؤكد مرة أخرى أن العالم مبني على الحكمة والغائية.

كما أن في القرآن الكريم آيات كثيرة أشارت إلى الحكمة من أوامر الله و أفعاله كتحريم الخمر و الميسر (( إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان ) )-سورة المائدة/90 - ،وبيان الغاية من خلق الإنسان في قوله تعالى: (( وما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق، وما أريد منهم أن يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) )-سورة الذريات/ 56 57 - فهذه الآية بينت الغاية والحكمة من خلق الإنسان، ودفعت ما قد يتوهمه بعض الناس من أنه تعالى في حاجة إلى أن يعبده الجن والإنس، وهو الحكيم الغني بذاته المتفرد باسمائه وصفاته.

و أهل الفقه المتمذهبون المتعصّبون هم أيضا كان فيهم غلو في أئمتهم و مذاهبهم، ذكرنا طرفا منه فيما سبق [7] ،و نذكر هنا زيادات أخرى، فكانوا - أبي المتمذهبون المتعصبون- يردون

(1) نفس المصدر ص:343.

(2) نفس المصدر ص: 441، 442.

(3) ابن القيم الجوزية: طريق الهجرتين، بيروت، دار الكتاب العربي، د ت، ص: 135، 136، و 138.

(4) ابن القيم الجوزية: شفاء العليل ص: 317.

(5) محمد المبارك: المرجع السابق ص:56 - 57.

(6) جورج ستانسيو، و روبرت أغروس: العلم في منظوره الجديد، ترجمه كمال خليلي، سلسلة عالم المعرفة الكويت المجلس الوطني للثقافة و الفنون، 1984 ص:68.

(7) أنظر المبحث الأول من هذا الفصل. من هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت