فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 180

الجسر- بأن الأول أفقه منه، و الثاني أحفظ منه. و قد ذكرنا سابقا أن إسحاق بن راهويه قال: (( إن الله لا يستحي من الحق، أبو عبيد -أي القاسم بن سلام- أعلم مني، و من ابن حنبل، و من الشافعي ) ).

و قد كان بعض أهل العلم يُفضّلون عبد الله بن أحمد على أبيه أحمد بن حنبل، في كثرة الرواية و المعرفة [1] . و كان بعض الطلبة يُفضلون أستاذهم إبراهيم الحربي على شيخه أحمد بن حنبل، فلما اخبروه بذلك امتنع عن تدريسهم [2] . و كان الفقيه المفسر ابن جرير الطبري (ت 310 ه) ، لا يعد أحمد بن حنبل من الفقهاء، و عندما ألف كتابه اختلاف الفقهاء لم يذكره فيه، و عده من المحدثين، فثار عليه الحنابلة ببغداد [3] .

و رابعا إن الأقوال التي ذكرناها مؤخرا أيضا في بعضها مبالغات، منها ما قاله الحافظ زكريا الساجي، عندما فضّل أحمد بن حنبل على مالك، و الأوزاعي، و سفيان الثوري، و الشافعي، بدعوى أن هؤلاء لهم نظراء، و أحمد ليس له نظير. و قوله هذا يٌشبه ما قاله الحافظ علي بن المديني (ت 233 ه) في احمد بن حنبل، فقال: (( إن الله أعز هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث: أبو بكر يوم الردة، و أحمد بن حنبل يوم المحنة ) )، و في رواية أخرى أنه قال: (( ما قام أحد من أمر الإسلام بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-ما قام به أحمد بن حنبل ) )، فقيل له: (( و لا أبو بكر، قال ولا أبو بكر، لأن أبا بكر الصديق كان له أعوان و أصحاب، و أحمد بن حنبل لم يكن له أعوان و لا أصحاب ) ) [4] .

و أقول: نعم لأحمد بن حنبل فضل كبير، و لا نبخسه حقه لصموده في المحنة، لكن تلك الأقوال فيها مبالغات شديدة، و غير صحيحة في كثير من جوانبها، بدليل المعطيات الآتية: أولها إنه قد كان لأحمد نظراء في الحديث و الفقه، و في مختلف العلوم الشرعية، و وُجد فيهم من كان يتفوّق عليه في بعضها كما سبق أن ذكرناه. و بخصوص صموده في محنة خلق القرآن، فليس هو الوحيد الذي صمد فيها و قاومها، فقد صمد فيها نُعيم بن حماد الخزاعي، و أبو يعقوب البويطي، و رفضا القول بخلق القرآن، فأدخلا السجن و ماتا بداخله [5] . و منهم أيضا: أبو جعفر هارون الإيلي المصري (ت قرن:3 ه) ، و محمد بن عبد الحكم المصري (ت 282 ه) ، و الأول ضُرب بالسياط، و طيف به بالشوارع بعمامة في عنقه يُجر بها، و لم يقل بخلق القرآن، و كان يُنادي

(1) الذهبي: المصدر السابق، ج 2 ص: 75.

(2) الذهبي: السير، ج 13 ص: 364.

(3) ياقوت الحموي: معحم الأدباء، ج 18، ص: 57، 58. و ابن كثير: البداية، ج 11 ص: 146.

(4) أبو الحسين ابن أبي يعلى: المصدر السابق، ج 1 ص: 227.

(5) ابن كثير: البداية، ج 10 ص: 335.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت