فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 180

حريته، فإذا صح الحديث فليس له أن يعمل به حتى ينظر هل له معارض أو ناسخ أو نحوهما أم لا، وإذا حز في نفسه مخالفة الحديث، فالمختار عندهما إن لم يكن أهلا للاجتهاد في المذهب لم يجز له العمل به، لاحتمال أن يكون خفي عليه شيء [1] .و نص النووي على أن التقليد أصبح لازما بعد تدوين المذاهب، ولا يحق للمقلد أن يخالف صاحب مذهبه، و لا يفتي إلا المجتهد [2] .

و آخرها -أي مظاهر المبالغة في التعظيم و التقليد- ما رواه المؤرخ المقريزي من أن فقهاء الأمصار زمن السلطان المملوكي الظاهر بيبرس (658 - 676 ه) أفتوا في سنة 665 هجرية بوجوب إتباع المذاهب الأربعة و تحريم ما عداها، و منعوا تقليد غير الأئمة الأربعة، و كان عددهم كبيرا من مختلف الأمصار، لم يذكر لنا المقريزي أي واحد منهم [3] .

و تعليقا على ما ذكرناه أقول: أولا إن أقوال هؤلاء المقلدين المتمذهبين المبالغين في تعظيم أئمتهم و الدعوة إلى تقليدهم و الالتزام بأقوالهم، هي أقوال مبالغ فيها جدا، سببها التقليد و التعصب المذهبيين، و لا تقوم على أي أساس صحيح شرعا و لا عقلا.

و ثانيا إنه ما يُرد به على هؤلاء المتمذهبين المتعصبين، هو أنه علينا أن نتذكر أن أقوالهم المُبالغ فيها تردها أقوال الطوائف الأخرى التي هي مُبالغ فيها أيضا. فالحنفية-مثلا- الذين بالغوا في تعظيم إمامهم و الدعوة إلى تقليده، عليهم أن يعلموا أن الطوائف الأخرى قالت نفس الشيء في أئمتها، و يمكن الرد بأقوالها على الحنفية. و نفس الأمر يمكن استخدامه للرد على باقي الطوائف.

و ثالثا إن هناك أقوالا كثيرة لعلماء آخرين يمكن استخدامها للرد على المتمذهبين المتعصبين المبالغين في تعظيم أئمتهم، و هي أقوال تشهد على أن هؤلاء الأئمة الأربعة- المبالغ فيهم - وُجد من العلماء من انتقدهم و فضل غيرهم عليهم. فالحنفية المقلدون لإمامهم أبي حنيفة، و المبالغون في تعظيمه و تفضيله و التعصب له، عليهم أن يعلموا أن كثيرا من علماء الجرح و التعديل تكلّموا فيه و انتقدوه، و ذكروه في الضعفاء [4] . و انتقده أيضا حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (ت 505 ه) ، و حطّ عليه و خطّأه في طائفة من الأحكام الفقهية، في كتابه المنخول في تعليق الأصول [5] .

و المالكية المبالغون في إمامهم-تعظيما و تعصبا- عليهم أن لا ينسوا هم أيضا ما قاله بعض العلماء في إمامهم، فقد قال عبد الله بن المبارك: (( أبو حنيفة أفقه من مالك ) )، و قال الشافعي (( الليث بن سعد أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به ) )، و كان الشافعي يتأسف لفوات السماع من الليث. و قال أيضا: (( كان الليث أتبع للأثر من مالك ) ) [6] . و قال الحافظ زكريا بن يحيى الساجي (ت 307 ه) : (( أحمد بن حنبل أفضل عندي من مالك، و الأوزاعي، و الثوري، و الشافعي، و ذلك أن لهؤلاء نظراء، و أحمد بن حنبل فلا نظير له ) ) [7] .

و الشافعية المبالغون في إمامهم-تعظيما و تعصبا- عليهم هم أيضا أن يتذكروا ما قاله بعض العلماء في إمامهم، فقد انتقده الحافظ بن معين و قال إنه ليس بثقة [8] . و فضّل شيخ الحنفية أبو الحسن القدوري البغدادي (ت قرن:5 ه) أبا حامد الإسفراييني الشافعي (ت 406 ه) على إمامه الشافعي، بقوله: (( الشيخ أبو حامد عندي أفقه و أنظر من الشافعي ) ) [9] . و فضّل الحافظ زكريا الساجي أحمد بن حنبل على طائفة من كبار العلماء، من بينهم الإمام الشافعي. و قال الحافظ إسحاق بن راهويه: (( إن الله لا يستحي من الحق، أبو عبيد -أي القاسم بن سلام- أعلم مني، و من ابن حنبل، و من الشافعي ) ) [10] . و قال الشافعي لأحمد بن حنبل: (( انتم أعلم بالحديث و الرجال، فإذا كان الحديث الصحيح فأعلموني، إن شاء يكون كوفيا ن، أو شاء شاميا، حتى أذهب إليه إن كان صحيحا ) ) [11] . فهذا اعتراف منه بأن أحمد بن حنبل أعلم منه بالحديث و الرجال.

و الحنابلة المبالغون في إمامهم-تعظيما و تعصبا- عليهم هم أيضا أن لا ينسوا ما قاله بعض العلماء في إمامهم، فقد قال أبو داود السجستاني: (( علي بن المديني أعلم من أحمد باختلاف الحديث ) ). و قال أحمد بن أبي بكر المديني: (( محمد بن إسماعيل-أي البخاري- أفقه عندنا و أبصر من ابن حنبل ) ) [12] . و قال احمد بن حنبل: (( ما جاوز الجسر -أي جسر بغداد- أفقه من إسحاق بن راهويه، و لا أحفظ من أبي زرعة ) ) [13] . فهذا اعتراف منه -و هو قد جاوز

(1) العلموي: المصدر السابق ص:175، 190. والدهلوي: المرجع السابق ص: 108.و محمد عيد عباس: حقيقة التعيين ص:22

(2) العلموي: نفس المصدر ص: 190، 199.

(3) الخطط و الاعتبار، ج 2 ص: 344.

(4) أمثلا: العقيلي: الضعفاء، ج 4 ص: 281 و ما بعدها. و عبد الله بن أحمد بن حنبل: السنة، ج 1 ص: 186 و ما بعدها، 204.

(5) انظر مثلا: ص: 500 و ما بعدها.

(6) الذهبي: السير، ج 6 ص: 402. و تذكرة الحفاظ، ج 1 ص: 224، 225.

(7) أبو الحسين بن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 1 ص: 18.

(8) السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، ج 2 ص: 22.

(9) أبو إسحاق الشيرازي: طبقات الفقهاء، ص: 45.

(10) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، ج 12 ص: 411. و الذهبي: السير، ج 10 ص: 500.

(11) أبو الحسين بن أبي يعلى: المصدر السابق، ج 1 ص: 6.

(12) الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج 2 ص: 428. و ابن حجر: تهذيب التهذيب، ط 1، بيروت دار الفكر، 1984،ج 9 ص: 43.

(13) أبو الحسين بن أبي يعلى: المصدر السابق، ج 1 ص: 200.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت