فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 180

و ذكر أيضا -أي ابن مندة- أن شيخا بمكة رأى رسول الله -صلى الله عليه و سلم- في المنام فقال له الرجل: يا رسول الله، من تركت لنا في عصرنا هذا من أمتك نقتدي به في ديننا؟، فقال رسول اله: أحمد بن حنبل. ثم قال ابن مندة: (( فما قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في منامه و يقظته فهو حق، و قد ندب صلى الله عليه وسلم إلى الإقتداء به، فلزمنا جميعا امتثال مرسومه و اقتفاء ماموره ) ) [1] . و قوله هذا فيه باطل كثير، و صواب قليل، لأنه لا يصح الاعتماد على المنامات في تقرير الأحكام و العقائد و المذاهب، لأنها -أي المنامات- ليست مصدرا من مصادر الاستدلال، و لا نصا من النصوص الشرعية، لأنه لو صح أنها كما زعم لأصبح كل إنسان يدعي ما يشاء و يقول رأيت في المنام كذا و كذا، و نفس الشيء يقوله أتباع المذاهب الأخرى في تعظيم أئمتهم و الدفاع عن مذاهبهم. كما أنه وصف أحمد بن حنبل بأنه إمام المسلمين، و الصحيح أنه من أئمة المسلمين. كما أنه أخطأ عندما و صفه بأنه: سيد المؤمنين، و هذا يعني أنه شهد له بدخول الحنة، و هذا أمر لا يعلمه إلا الله تعالى. و أقواله هذه دافعها المبالغة في تعظيم إمام المذهب و التعصب له.

و منهم الفقيه المؤرخ عبد الرحمن بن الجوزي (ت 597ه) ذكر أنه سبر سيرة السلف كلهم ليستخرج منهم من جمع بين العلم حتى صار مجتهدا، و العمل حتى صار قدوة للعابدين، فلم يجد أكثر من ثلاثة، و هم: الحسن البصري، و سفيان الثوري، و أحمد بن حنبل، ثم قال إنه لا ينكر على من ربّع بهؤلاء بسعيد بن المسيب [2] . فهو قد استبعد كلية أبا حنيفة و مالك و الشافعي الذين بالغ أتباعهم في تعظيمهم و مدحهم، و جعل إمامه أحمد بن حنبل من بين الذين فضّلهم، و استبعد هؤلاء الأئمة الثلاثة المتبوعين، لعدم بلوغهم ما أشترطه في مقياسه.

و قال أيضا إنه-أي ابن الجوزي- فضل مذهب احمد بن حنبل على مذهب مالك و أبي حنيفة و الشافعي اعتمادا على العلم لا على النسب، كما أنه وجد أحمد أوفر الأئمة حظا في العلوم الشرعية، و كان حافظا لكتاب الله، و متفردا بعلم الحديث جرحا و تعديلا، و عارفا بالعربية و القياس، زاهدا ورعا في الدنيا، صابرا في المحنة، لم يأخذ عطاء السلطان [3] .

و قد ترتب عن مبالغات هؤلاء أنها عمّت خاصة الناس و عامتهم، و انتشر بينهم تقليد الأئمة و التعصب لهم بحق و بغير حق، و تجاوزوا الحد في تعظيم أئمتهم و امتثال أرائهم، إلى حد لا يُوصف عندهم للصحابة، بل ولا لكلام الله تعالى و سنة رسوله -عليه الصلاة و السلام [4] .

و قد ذكر المؤرخ أبو شامة المقدسي (ت 665ه) أن المقلدين المتعصبين في زمانه بلغ بهم الأمر إلى أن أصبحت أقوال الأئمة عندهم بمنزلة الكتاب و السنة، فصدق عليهم قوله تعالى: (( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ) )- سورة التوبة /31 - ؛ و لغلبة التعصب عليهم كفروا بالرسول -صلى الله عليه وسلم- عندما أخبرنا أن الله تعالى يبعث في كل مائة سنة من ينفي تحريف الغالين و انتحال المبطلين، فحجروا على الله تعالى كاليهود بأن لا يبعث بعد أئمتهم و ليا مجتهدا؛ و انتهى بهم التعصب إلى أن أحدهم إذا أُورد عليه دليل من القرآن و السنة اجتهد في دفعه بكل سبيل من التأويلات البعيدة نصرة لمذهبه. ثم انتهى بهم الأمر على إهمال علوم الكتاب و السنة، و تفضيل ما هم عليه الذي ينبغي المواظبة عليه، فبدلوا بالطيب خبيثا، و بالحق باطلا، و بالهدى ضلالا [5] .

و من ذلك أيضا ما ذكره محمد بن الشوكاني من أنه اُشتهر عن جماعة من أهل المذاهب الأربعة بأنهم قالا: (( تعذّر وجود مجتهد بعد المائة السادسة ) ) [6] . و ذكر الذهبي أن أحد أهل العلم المقلدين المتمذهبين المتعصبين قال: إن المقلد الذي التزم بتقليد إمامه، هو مع إمامه كالنبي مع أمته، لا يحل مخالفته [7] .

و من ذلك أيضا ما ذكره الفقيه المعاصر محمد الحامد من أن فقهاء الحنفية قرروا أن الاجتهاد المطلق في الأحكام ممنوع بعد فوات 400 سنة عن وفاة رسول الله -عليه الصلاة و السلام-، ليس حجرا على فضل الله، و إنما هو لئلا يدعي الاجتهاد من ليس أهله، فنقع في فوضى دينية واسعة، لذلك رأى العلماء الأتقياء إشفاقا على الأمة إقفال ذلك الباب أمام أدعياء الاجتهاد [8] .

و من مظاهر مبالغاتهم أيضا ما ادعاه قاضي القضاة علي بن محمد الدامغاني الحنفي (ت513ه) ، عندما منع أن يُحكم في القضاء بغير رأي أبي حنيفة و صاحبيه محمد و أبي يوسف، و أعلن أمام الملأ بأعلى صوته بأنه لم يبق في الأرض مجتهد. فأنكر عليه الفقيه المجتهد أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي البغدادي (ت513ه) ما ادعاه، و قال إن كلامه هذا فيه فساد كبير [9] .

و من ذلك أيضا ما ذهبا إليه الفقيهان الشافعيان أبو عمر بن الصلاح (ت643ه) ، و محي الدين بن شرف النووي (ت676ه) ، فإنهما أوجبا التقليد على الناس و ضيقا على الفقيه مجال

(1) نفسه، ج 1 ص: 107.

(2) ابن الجوزي: صيد الخاطر، حققه محمد الغزالي، الجزائر، مكتبة رحاب، 1988ه ص: 57.

(3) نفس المصدر، ص: 496، 497، 501، 502.

(4) الشوكاني: القول المفيد، حققه عبد الرحمن عبد الخالق، ط1، الكويت، دار القلم، 1396، ص: 70.

(5) أبو شامة: مختصر كتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول، ضمن مجموع: من هدى المدرسة السلفية، الجزائر، دار الشهاب، ص: 217 - 218.

(6) البدر الطالع، ج 1 ص: 2.

(7) السيّر، ج 8 ص: 90.

(8) محمد الحامد: مجموعة رسائل الشيخ محمد الحامد، الجزائر، دار الشهاب، ص: 6.

(9) ابن الجوزي: المنتظم، ج 10 ص: 210.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت