و المتكلمون هم أيضا كان فيهم غلو و تطرف-تعصبا للمذهب و إتباعا للظن-، فوُجدت من بينهم طائفة نفت الحكمة [1] الإلهية في الكون، و أنكرت طبائع المخلوقات، و ما فيها من قِوى و أسباب و غرائز، و من الذين نفوا ذلك: الجهمية، و بعض متكلمي الحنابلة، كالقاضي أبي يعلى الفراء (ت485ه) ،و أبي الحسن الزاغوني (ت527ه) ، و من هم أيضا الأشاعرة، نفوا ما ذكرناه، و قالوا أن الله تعالى يفعل عند الأسباب لا بها، بمعنى أنها-أي الأسباب- مجرد اقتران دون تأثير، و أرجعوا الحكمة إلى علم الله بأفعال عباده، و إقاعها على ما أراده، و لم يثبتوا إلا العلم و الإرادة و القدرة [2] . فهؤلاء بموقفهم هذا قد جحدوا السببية المشهودة في الواقع، و التي صرحت بها آيات قرآنية كثيرة، كقواه تعالى: (( وما انزل الله من السماء من ماء، فأحيا به الأرض بعد موتها ) )-سورة البقرة/163 - 164 - وهم يرون أن إثبات الحكمة لله يؤدي إلى إثبات الحاجة في حقه، و هو منزه عنها [3] . و هذا قياس للخالق بالمخلوق، فالعبد هو الذي يعمل لحاجة، أما الله فهو منزه عنها و غني بذاته، حكمته كمال وغاية محمودة، و ليست حاجة و لا نقصا.
و قد ذكر ابن الأهدل اليمني الاشعري (ت855 ه) أن خصوم أبي الحسن الأشعري (ت342 ه) يذمونه لقوله: (( الخبز لا يشبع، و الماء لا يروي، و النار لا تحرق، و هذا كلام أنزل لله معناه في كتابه، فإن الشبع و الري و الاحراق حوادث انفرد الرب سبحانه بخلقها، فلم يخلق الخبز الشبع، و لم يخلق الماء الري، و لم تخلق النار الاحراق، و إن كانت أسباب في ذلك ) ) [4] . فهو هنا قد اعترف أن الأشعري يقول: أن الخبز لا يشبع، و الماء لا يروي، و النار لا تحرق، لكنه لم يرد على منتقديه في هذه المسألة، و قرر أمرا متفق عليه، وذلك أن مثبتي الحكمة و التعليل يقولون أن الله خلق كل شيء، وجعل في مخلوقاته خصائص و طبائع و غرائز، فالنار فيها خاصية الإحراق، و الماء فيه خاصية الإرواء، وهذا الأمر لم يتطرق إليه ابن الأهدل. و مما يزيد الأمر وضوحا أنه لما أُلقي إبراهيم -عليه السلام -في النار قال لها الله تعالى: (( قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على
(1) يقصد بالحكمة العلم النافع، و العمل الصالح الموصلان إلى الغاية المحمودة، و لا يعتبر الكلام حكمة إلا إذا كان مرشدا إلى ذلك و مؤديا إلى الغايات المحمودة، و المطالب النافعة، و إذا لم يراد به مصلحة المخاطبين و سعادتهم، و هدايتهم إلى ما ينفعهم لم يكن حكمة، ولا قائله حكيما. ابن القيم الجوزية: شفاء العليل، ط 3 بيروت، دار الكتب العلمية ص:319.و ابن تيمية: التفسير الكبير، حققه عبد الرحمن عميرة، ط1، بيروت، دار الكتب العلمية، 1988، ج 4 ص:207 - 208. و ابن تيمية: درء تعارض العقل و النقل ج 4 ص:131.و مجموع الفتاوى ج 8 ص:137.و التفسير الكبير ج 4 ص: 207 208، 211.
(2) ابن الأهدل اليمني: كشف الغطاء ص:75.و ابن تيمية: التفسير الكبير ج 4 ص:207 - 208.و الرسالة التدمرية، الجزائر، دار الشهاب، 1989، ص: 92.و مجموع الفتاوى ج 8 ص: 37.و و قاعدة في المحبة، حققه محمد رشاد سالم الجزائر دار الشهاب د ت، ص:28 - 29.و السفاريني: لوامع الأنوار البهية، حققه رشيد رضا، القاهرة، مطبعة المنار الإسلامية، 1323ه، ج 1 ص:262 - 263.و محمد المبارك: التفكير العلمي في الإسلام ط2 بيروت، دار الفكر 1980، ص:62.و سفر الحوالي: منهج الأشاعرة في العقيدة، ط1، الجزائر، الدار السلفية، 1990، ص:45.
(3) ابن تيمية: مجموع الفتاوى ج 8 ص:37.
(4) ابن الأهدل: المصدر السابق ص: 75.