الصديق و الفاروق أزهد الناس و أعبدهم بعد رسول الله، ولم يختص واحد منهما في الدين بشيء [1] . و هذا ردّ من ابن خلدون على الصوفية، و نقد لهم و تكذيب لهم في دعواهم، بطريقة لينة ذكية صحيحة. و أما دعواهم إلباس الصديق خرقتين لأحد الصوفية في المنام، فهي هروب من الحقيقة و إحالة على مجهول. فهم عندما أعوزهم الدليل التاريخي الصحيح و تبيّن لهم بطلان روايتهم عن الخرقة لجؤوا إلى المنامات هروبا من النقد. و ما أسهل الاستنجاد بالأحلام لاختلاق الأخبار، فهي في متناول كلّ إنسان! و متى كانت المنامات من أدلّة الشرع، ومن طرق إثبات الحوادث التاريخية؟.
و من غلوهم و ضلالهم، ادعاء بعضهم لوحدة الوجود، بمعنى أن الوجود كله واحد، فالله تعالى هو الوجود، و الوجود هو الله، بمعنى إن الخالق هو المخلوق، و المخلوق هو الخالق، و لا فرق بينهما. و هذا الجنون و الهذيان، و هذا الزعم الباطل المخالف للنقل و العقل معا، قاله كبار منحرفي الصوفية، كعمر بن الفارض المصري (ت632ه) ، و محي الدين بن عربي الطائي الأندلسي (ت638ه) ،و القطب بن سعيد الأشبيلي (ت669ه) ، و العفيف التلمساني (ت690ه) [2] ، و الذي أوصل هؤلاء إلى هذا الضلال، هو جهلهم، و تعصبهم، و إتباعهم لأهوائهم و ظنونهم، و إعراضهم عن الشرع، و عدم احتكامهم إلى العقل الصريح.
و قد وُجد في تاريخنا الإسلامي من كان يتعصب لهؤلاء الضالين و يُدافع عنهم جهلا و تعصبا، فعندما صنف الفقيه برهان الدين البِقاعي الشافعي (ت 885ه) كتابا سماه: تنبيه الغبي بتكفير عمر بن الفارض و ابن عربي، انتقده كثير من أهل العلم، و تناولوه بالألسنة، و كَثُر الرد عليه، منهم جلال الدين السيوطي (ت911ه) ، رد عليه بكتاب: تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي.، و رد عليه أيضا الشيخ إبراهيم بن محمد الحلبي (952ه) ، بكتاب سماه: تسفيه الغبي في تكفير ابن عربي [3] .
و منهم أيضا: القاضي الحنفي سراج الدين عمر بن إسحاق الغزنوي الهندي ثم القاهري (ت773ه) ، كان يتعصب للصوفية الاتحادية-دعاة وحدة الوجود-، حتى أنه عزّر رجلا تكلّم في الصوفي الاتحادي عمر بن الفارض [4] .
(1) ابن خلدون: المقدمة ص:386.
(2) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 2 ص: 143.
(3) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، ج 9 ص: 510. و حاجي خليفة: كشف الظنون، ج 1 ص: 404.
(4) ابن العماد الحنبلي: نفس المصدر، ج 8 ص: 391.