فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 180

أطفالهم. و قالت الإباضية منهم: إن مخالفيهم من هذه الأمة ليسوا بمؤمنين، ولا مشركين، لكنهم كفار [1] . و هذه الأفكار المتطرفة سببها الجهل بالشرع، و التعصب للمذهب و الغلو فيه، و إلا فإن الذي حدث في الفتنة الكبرى لا يُوصل إلى التكفير، لأن الاقتتال الذي حدث كانت له ملابساته و ظروفه و اجتهاداته، و رُويت فيه كثير من الأكاذيب و الأباطيل. و الله سبحانه و تعالى قد سمى المسلمين المقتتلين بالمؤمنين، و أمر بالإصلاح بينهم في قوله سبحانه: (( َإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) )- سورة الحجرات: 9 - .

و كذلك المعتزلة، هم أيضا كان فيهم غلو، أوصلهم إليه تطرفهم و تعصبهم لأفكارهم، حتى أنهم نفوا عن الله تعالى صفاته الأزلية، و قالوا: (( ليس لله عز و جل علم، و لا قدرة، و لا حياة، و لا سمع، و لا بصر، و لا صفة أزلية ) ). و قالوا: إنه لم يكن لله تعالى في الأزل اسم و لا صفة [2] .و قولهم هذا هو خيال و هذيان، و رجم بالغيب، و قول على الله بلا علم، يخالف المنقول و المعقول معا، لأن العقل يحكم بأن لكل موجود لا بد له من صفات تليق بذاته، لأن الذي ليس له صفات هو المعدوم، بحكم أنه غير موجود، و أما الموجود فلا بد له من صفات.

و أمنا نقلا فإن النصوص الشرعية في إثبات صفات الكمال لله تعالى كثيرة جدا، فالله تعالى هو الرحمن الرحيم، و العلي الكبير، و العزيز الحكيم، و الرزاق الكريم، و الأول و الآخر، و الظاهر و الباطن. و الكون العجيب الذي نراه و نعيش فيه، هو شاهد على عظمة خالقه، و كمال صفاته، فخالق هذا الكون العجيب المعجز لا بد أن يكون خالقا أزليا، قادرا واسعا، عليما حكيما، عزيزا متكبرا، جميلا لطيفا ... .

و من غلوهم أيضا -أي المعتزلة- أنهم قدموا عقولهم على الشرع مطلقا، و خاضوا في مسائل غيبية لا تدركها العقول، فتكلّموا في الصفات و نفوها، و أنكروا رؤية الله تعالى يوم القيامة بلا دليل صحيح من العقل و لا من النقل. فأقحموا عقولهم في أمور غيبية يستحيل على العقل البشري إدراكها و تصوّرها على حقيقتها. و كان من الواجب عليهم أن يرجعوا إلى الوحي للأخذ منه مباشرة و الاستسلام له، لكنهم لم يفلوا ذلك، و ركبوا رؤوسهم تعصبا و تطرفا، و غرورا و تكبرا، و تركوا الوحي من وراء ظهورهم، فخالفوا بذلك النقل و العقل معا، و لم يجنوا إلا الظنون و الأوهام، و الخيالات و الشكوك.

و الصوفية هم أيضا كان فيهم غلو كبير، أوصلهم إليه تعصبهم لمذهبهم و طائفتهم، فمن ذلك: حرصهم على ارتداء المرقعة-الخرقة- و إصرارهم على القول بأنها موروثة عن الرسول-عليه الصلاة و السلام-،و عن بعض صحابته [3] -رضي الله عنهم-. و قد ذكروا لها عدة روايات منها ثلاثة طرق أوصلوها إلى النبي-صلى الله عليه وسلم- ففي الطريق الأول يوجد فيه العبد الصالح الخضر. و الثاني فيه علي بن أبي طالب، و عنه أخذ الحسن البصري الخرقة. و الثالث فيه علي بن أبي طالب و عنه أخذ جعفر الصادق الخرقة و عن هؤلاء أخذ الصوفية خرقتهم [4] . و هناك من يذكر الطريقين الأخيرين و يوقفهما عند علي -رضي الله عنه- دون ذكر للنبي- صلى الله عليه و سلّم- [5] . و لهم طريق رابع مفاده أن الصوفي أبا بكر بن هوار رأى في المنام أبا بكر الصديق فألبسه خرقتين، فلما استيقظ وجدهما عليه، و عنه توارثها الصوفية [6] .

و أقول: لقد اتفق النقاد المحققون من المحدثين كابن الصلاح، و الذهبي و ابن حجر على أنه لم يرد في خبر صحيح، ولا حسن، ولا ضعيف، أنّ الرسول - عليه الصلاة و السلام - ألبس الخرقة أحدا من أصحابه، ولا أمر بها. وكل ما يروى في ذلك باطل، ومن الكذب المفترى القول بأن عليا ألبس الحسن البصري الخرقة، لأنّ أصحاب الحديث لم يثبتوا للحسن البصري سماعا منه [7] ، فضلا على أن يُلبسه الخرقة [8] . و أما القول بأن الخضر أخذها عن النبي -صلى الله عليه و سلّم- فباطل لأنه توفي قبله بقرون مديدة زمن موسى -عليه السلام- [9] .

و يرى ابن الجوزي أن إسناد خرقة الصوفية كله كذب و محال [10] . و ذهب المؤرخ ابن خلدون إلى القول بأن الصوفية لما أرادوا أن يجعلوا للباسهم أصلا رفعوا لباس الخرقة إلى علي ابن أبي طالب الذي لم يكن يختص من بين الصحابة بنحلة ولا طريقة في لباس ولا حال. وقد كان

(1) عبد القاهر البغدادي: الفرق بين الفرق، ص: 73، 83، 103.

(2) نفس المصدر، ص: 114.

(3) الشوكاني: الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، حققه عبد الرحمن المعلمي، بيروت، دار الكتب العلمية،1995، ص: 253.

(4) ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء ج3 ص:409،410.

(5) السبط ابن الجوزي: مرآة الزمان، ج8 ص: 266.

(6) الشعراني: الطبقات الكبرى ج1 ص:154. و ابن الوردي: تتمة المختصر في أخبار البشر، ط1 بيروت، دار المعرفة،1970، ج2 ص:114.

(7) إذا كان ذلك باطلا في حق الحسن البصري المتوفى سنة 110 ه/ 728 م، فإنّ الإدعاء بأنّ جعفر الصادق (ت 158 ه /774م) أخذ الخرقة عن علي فهو أولى بالبطلان.

(8) الشوكاني: الفوائد المجموعة ص: 253. و ابن الديبع: تمييز الطيب من الخبيث ص:205.

(9) ابن القيم الجوزية: المنار المنيف ص:58 وما بعدها.

(10) ابن الجوزي: تلبيس إبليس ص: 216.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت