و أقول: أولا إن علماء أهل السنة قد نصوا صراحة على تكفير القائل بتحريف القرآن، فمن أنكر منه حرفا فقد كفر [1] . لأن القائل بذلك أنكر أمرا معروفا من الدين بالضرورة، و أنكر صريح القرآن و كفر به، فالله تعالى يقول: (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) )- سورة الحجر: 9 - و قال: (( أ الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) )- سورة هود: 1 - فالقول بتحريفه يعني أنه غير مُحكم، و هذا مخالف لآية السابقة. و قال أيضا عن كتابه العزيز (( لَا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) )- سورة فصلت: 42 - فالقول بتحريفه يعني أن الباطل قد تطرّق إليه، و هذا زعم باطل يخالف ما قررته الآية السابقة. و بذلك يتبين أن القول بتحريف القرآن هو كفر به، و افتراء على الله و رسوله و المؤمنين و التاريخ. فالله سبحانه تعالى قال أنه حفظ كتابه، و هؤلاء الغلاة المتطرفون المتعصبون زعموا إنه مُحرّف، تعصبا للباطل و انتصارا له.
و ثانيا يجب التنبه إلى أمر هام جدا، هو أن القول بتحريف القرآن هو من ضروريات عقائد الشيعة، فهي لا تثبت إلا بالقول بتحريفه، فإذا تصوّرنا عقائدهم منطقيا فبالضرورة يجب أن نقول بتحريف القرآن، و مثال ذلك أننا إذا افترضنا-جدلا- صحة عقائد الشيعة في سبهم للصحابة و تكفيرهم لهم، و قولهم بالنص و كتمان الصحابة له، و قولهم بالأئمة المعصومين، فإننا نقول: المفروض أن تُوجد تلك العقائد في القرآن الذي أكمله الله تعالى، لكن الثابت الأكيد أن تلك العقائد لا وجود لها في القرآن مطلقا، و الموجود فيه يخالفها و يُبطلها. و بما أننا افترضنا-جدلا- صحة عقائد الشيعة فهذا يستلزم أن القرآن قد تعرّض للتحريف و نزعت منه تلك العقائد. لكن يا خيبة الشيعة إن العكس هو الصحيح، فبما أن عقائدهم لا توجد في القرآن -الذي حفظه الله تعالى- فهذا يستلزم حتما أن عقائدهم هي الباطلة المكذوبة، و ليس القرآن الكريم الذي هو الفيصل بين الحق و الباطل.
و كذلك الخوارج كان فيهم غلو و تطرف فكرا و سلوكا، فقد أوصلهم تعصبهم إلى أن كفروا (( عليا، و عثمان، و أصحاب الجمل، و الحكمين، و من رضي بالتحكيم و صوّب الحكمين أو أحدهما ) ). و قال الأزارقة منهم: إن المخالفين لهم من الأمة هم مشركون، و استباحوا نساءهم و
(1) أنظر مثلا: ابن حزم: الفِصل، ج 2 ص: 64، 65. و ابن تيمية: الصارم المسلول، ج 3 ص: 1121. ز عبد القادر القرشي: الجواهر المضيئة ن ج 1 ص: 501.