و الفتنة الثالثة هي فتنة الواعظ المتكلم أبي بكر البكري المغربي الأشعري، حدثت ببغداد سنة 476 هجرية، عندما قدم إليها و معه كتاب من الوزير نظام الملك للتدريس و التكلّم بمذهب أبي الأشعري، فاستقبله ديوان الخلافة استقبالا حارا، و هيأ له كل ما يحتاجه، و أثناء وجوده ببغداد درّس بالنظامية، و في كل الأماكن التي أرادها، فكان ينصر الأشعرية و يذم الحنبلية و يستخف بأهلها، فحدث بينه و بينهم سباب و خصام و مواجهات، من ذلك إنه مرّ ذات يوم بحي نهر القلائين، فاعترضت جماعة حنبلية من آل الفراء، بعض أصحاب البكري، فحدث بينهم عراك و سباب و خصام، مما جعل البكري، يستنجد بالوزير العباسي العميد بن جهير، فأرسل هذا الأخير من حاصر بيوت بني الفراء، فنهبوها و أخذوا منها كتاب إبطال التأويلات للقاضي أبي يعلى الفراء، و جعله الوزير بين يديه يقرأه على كل من يدخل عليه، و يقول: (( أيجوز لمن يكتب هذا أن يُحمى أو يُؤوى في بلد! ) ) [1] .
و الفتنة الرابعة هي فتنة الواعظ الغزنوي ببغداد سنة 495 هجرية، و مفادها أن الواعظ عيسى بن عبد الله الغزنوي الشافعي الأشعري لما قدم إلى بغداد و مكث بها أكثر من عام، وقعت بينه و بين الحنابلة فتن و مصادمات، منها أنه وعظ ذات يوم بجامع المنصور و أظهر مذهب الأشعري، فمال إليه بعض الحاضرين، و اعترض عليه الحنابلة، فنشب عراك بين الجماعتين داخل المسجد [2] . و لا ندري ما حدث بعد ذلك بين الفريقين، لأن ابن الجوزي روى الخبر موجزا. و منها أيضا إن هذا الرجل-أي الغزنوي- مرّ ذات يوم برباط شيخ الشيوخ أبي سعد الصوفي ببغداد ليذهب إلى بيته، فرجمه بعض الحنابلة من مسجد لهم هناك، فهب أصحابه لنجدته و التفوا حوله [3] .
و الفتنة الخامسة هي فتنة ابن تومرت بالمغرب الإسلامي، و ذلك أن المغاربة زمن الدولة المرابطية (451 - 541ه) كانوا على مذهب السلف في أصول الدين، فلما اظهر محمد بن تومرت المغربي المصمودي الأشعري (ت 524ه) دعوته، كفّر مخالفيه من المغاربة، و اتهمهم بالتشبيه و التجسيم، و استباح دماءهم و أموالهم، و دخل في حروب طاحنة مع المرابطين، و أدخل المغرب الإسلامي في فتنة دامية، و فرض الأشعرية على الرعية، و عندما تُوفي واصل أتباعه دعوته، و
(1) ابن الجوزي: نفس المصدر، ج 9 ص: 3 - 4. و ابن النجار: ذيل تاريخ بغداد، بيروت، دار الكتاب العربي، د ت، ج 2 ص: 185
(2) ابن الجوزي: نفس المصدر، ج 9 ص: 131.
(3) نفسه، ج 9 ص: 131.