مُحتمل؛ و أما القشيري فقد التف حوله أصحابه و المتعاطفون معه، و ساعده أيضا الشيخ أبو سعد الصوفي، و شيخ الشافعية أبو إسحاق الشيرازي (ت 476ه) , و غيرهما من علماء الأشعرية، ثم هاجمت جماعة من أصحابه مسجد الشريف أبي جعفر، فرماهم الحنابلة بالآجر، و اشتبك الطرفان في مصادمات دامية، قُتل فيها نحو عشرين شخصا من الجانبين، و جُرح آخرون، ثم توقفت الفتنة لما مالت الكفة لصالح الحنابلة [1] .
فلما حدث ذلك أجمع علماء الأشاعرة على الخروج من بغداد، في مقدمتهم شيخهم أبو إسحاق الشيرازي، إلى بلاد خُراسان حيث الوزير السلجوقي نظام الملك، فلما سمع بهم الخليفة المقتدي بأمر الله (467 - 487ه) أسرع إلى طلبهم لُيصلح بينهم و بين شيخ الحنابلة أبي جعفر، فلما اجتمعوا فشلت محاولة الإصلاح و انفض الاجتماع دون اتفاق، و كتب علماء الأشاعرة رسالة إلى نظام الملك أخبروه فيها ما حلّ بهم على يد الحنابلة ببغداد، و وصفوهم له بأبشع الألفاظ القبيحة، و اتهموهم بأشنع الاتهامات، و حرّضوه على قطع دابرهم، و أنه لا يجوز السكوت عنهم [2] ، لكن رده عليهم لم يُحقق لهم ما كانوا يرجونه منه [3] .
و الثانية حدثت سنة470 هجرية ببغداد، بين الحنابلة و فقهاء أشاعرة من المدرسة النظامية، و ذلك أنها وقعت بعد أيام من ورود كتاب الوزير نظام الملك ردا على رسالة الأشاعرة في فتنة ابن القشيري، حيث أقدم فقيه أشعري على تكفير الحنابلة، فتصدوا له و رموه بالآجر، فهرب و لجأ إلى أحد أسواق بغداد و استغاث بأهله، فأغاثوه و اندلع قتال بين الطرفين، و عم النهب و كثُرت الجراح، و لم تتوقف المواجهات إلا بتدخل الجند، و قُتل فيها نحو عشرين شخصا من الطرفين، و جُرح آخرون، ثم نُقل المقتولون إلى دار الخلافة، فرآهم القضاة و الشهود، و كتبوا محضرا ضمّنوه ما جرى، و أرسلوه إلي الوزير نظام الملك بخراسان، ثم هدأت الأوضاع ببغداد [4] .
و هذه الفتنة هي امتداد لفتنة ابن القشيري، و قد قُتل فيهما نحو أربعين شخصا من الطرفين، و قد أظهرتا ما يكنه كل طرف للآخر من حقد و كراهية، بسبب التعصب المذهبي المقيت الذي أوصلهم إلى هذه الفتن التي أزهقت الأرواح و خرّبت العمران، و أضعفت الطوائف السنية و مزقتها.
(1) ابن أبي يعلى: نفسه، ج 2 ص: 239.و ابن رجب: نفسه، ج 1 ص: 25. و ابن كثير: البداية، ج 12 ص: 115. و الأثير: الكامل، ج 10 ص: 1104. و السبكي: المصدر السابق، ج 4 ص: 234.
(2) سنتوسع في ذلك في مبحث خاص من الفصل الثالث إن شاء الله تعالى.
(3) ابن أبي يعلى: المصدر السابق، ج 2 ص: 239.و ابن عساكر: تبيين كذب المفتري، ص: 310، و ما بعدها. و ابن الجوزي: المنتظم، ج 8 ص: 312.
(4) ابن الجوزي: المنتظم، ج 8 ص: 312 - 313 و ابن كثير: البداية و النهاية، ج 12 ص: 117.