فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 180

و الفتنة السادسة هي أيضا حدثت بين الشافعية و الحنفية بمدينة مرو، زمن الوزير الخوارزمي مسعود بن علي المُتوفى سنة 596 هجرية، و ذلك أن هذا الوزير كان متعصبا للشافعية، فبنى لهم جامعا بمرو مشرفا على جامع للحنفية، فتعصبوا-أي الحنفية- و أحرقوا الجامع الجديد -الذي بناه الوزير مسعود- فاندلعت فتنة عنيفة مدمرة بين الطائفتين، كادت (( بها الجماجم تطير عن الغلاصم ) )، فلما توقفت أغرمهم -أي الحنفية- السلطان خُوارزم شاه الحنفي (ت 596ه) أموالا مقدار ما صُرف في بناء المسجد الذي أحرقوه [1] .

و قد ذكر الرحالة ياقوت الحموي (ت 626ه) أن مدينة أصفهان في زمانه عمها الخراب بسبب كثرة الفتن و التعصب بين الشافعية ة الحنفية، فكانت الحروب بينهما متصلة، فكلما (( ظهرت طائفة نهبت الأخرى، و أحرقتها، و خرّبتها، لا يأخذها في ذلك إلا و لا ذمة ) ) [2] .

و نفس الأمر حكاه عن مدينة الري ببلاد فارس، فذكر-أي ياقوت الحموي- أن هذه المدينة كان أكثرها خرابا في زمانه، بسبب التعصب للمذاهب، فكانت الحروب بين الشافعية و الحنفية قائمة، انتهت بانتصار الشافعية، و لم يبق من الحنفية إلا من يُخفي مذهبه [3] .

و أشير هنا إلى أن الفتن التي ذكرناه -بين الطوائف السنية- كان سببها في الغالب الاختلاف في المذاهب الفقهية و التعصب لها،. و أما الفتن التي حدثت بينها بسبب الاختلاف في العقائد -أصول الدين- و التعصب لها، فسأذكر منها بعض ما حدث بين الأشاعرة [4] من جهة، و الحنابلة و أهل الحديث من جهة أخرى.

أولها فتنة ابن القشيري ببغداد سنة 469 هجرية، و تفصيلها هو أنه لما قدم المتكلم أبو نصر بن عبد الكريم القشيري الأشعري (ت514ه) إلى بغداد و استقر بالمدرسة النظامية، عقد بها مجلسا للوعظ و التدريس، فتكلم على مذهب الأشعري و مدحه، و حطّ على الحنابلة و نسبهم إلى اعتقاد التجسيم في صفات الله تعالى [5] . فلما سمع به شيخ الحنابلة الشريف أبو جعفر (ت 470ه) ، تألم لذلك و أنكر عليه فعلته، ثم جنّد جماعة من أصحابه بمسجده تحسبا لأي طارئ

(1) ابن الأثير: نفس المصدر، ج 7 ص: 250. و ابن كثير: المصدر السابق، ج 13 ص: 23. و السبكي: المصدر السابق، ج 7 ص: 296.

(2) معجم البلدان، ج 1 ص: 209.

(3) نفسه المصدر، ج 3 ص: 117.

(4) هم فرق كلامية ينتسبون لأبي الحسن الأشعري البصري (ق: 4ه) ، و أتباعها من المالكية و الشافعية، و عن فكرهم و نشاطهم و علاقتهم بأهل الحديث أنظر كتابنا: الأزمة العقيدية بين الأشاعرة و أهل الحديث، ط1، دار الإمام مالك، الجزائر، 1426/ 2005.

(5) ابن الجوزي: المنتظم، ج 8 ص: 30، و ما بعدها. و السيوطي: تاريخ الخلفاء، ط1، مصر، مطبعة السعادة، 1952، ص: 224. و ابن أبي يعلى: طبقاتت الحنابلة، ج 2 ص: 239. و ابن رجب البغدادي: الذيل على طبقات الحنابلة، ج 1 ص: 25. و السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، ج 7 ص: 162.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت