و الفتنة الحادية عشرة حدثت بمكة المكرمة زمن الخليفة العباسي المقتدي بأمر الله (467 - 487ه) ، و ذلك أن والي مكة محمد بن جعفر عندما أعاد الخطبة للعباسيين، و أرسل إليه المقتدي بمال و منبر عليه اسمه كُتب بالذهب، حدثت فتنة بين السنة و الشيعة، فكُسر المنبر و أُحرق، و لم تتعطل الخطبة للعباسين، التي استمرت إلى سنة 486 هجرية، ثم انقطع بموت السلطان السلجوقي ملكشاه [1] . و يبدو من هذه الفتنة أن الخطبة بمكة ربما كانت لحكام مصر الشيعة الإسماعيليين، لذا رفض شيعة مكة عندما حُولت الخطبة للعباسيين، و دخلوا في مصادمات مع السنيين الموالين للعباسيين،. و واضح أيضا أنهم -أي شيعة مكة- تمكنوا في النهاية من استعادة الأمر و قطع الخطبة للعباسيين بدافع من التعصب المذهبي القائم بين الطائفتين السنية و الشيعية.
و الفتنة الثانية عشرة - أي الأخيرة من فتن القرن الخامس الهجري- ما حدث بمدينة حلب بين السنة و الشيعة من مصادمات، عندما اختلف أحد الشعراء مع الأديب السني سالم الكفرطابي (ت465ه) ، فوضع ذلك الشاعر أبياتا شعرية على لسان الكفرطابي فيها بعض الذم للشيعة، فتعرّضوا له-أي للكفرطابي- بالمكروه، فأدى ذلك إلى حدوث فتنة بين السنة و الشيعة [2] لم أعثر لها على تفاصيل أخرى.
و أما الفتن المذهبية التي حدثت في القرن السادس الهجري بين السنة و الشيعة، فمنها فتنة سنة 569 هجرية ببغداد، حدثت بين شيعة الكرخ و سنة حي باب البصرة، و بدايتها أنه لما زاد ماء نهر دجلة سدّ الشيعة الماء عنهم، فغرق مسجد فيه شجرة، ثم انقلعت الشجرة، فصاح الشيعة: (( انقلعت الشجرة، لعن الله العشرة ) )-أي الصحابة العشرة المبشرون بالجنة رضي الله عنهم-، فأنكر عليهم أهل السنة ما قالوه، و دخل الطرفان في مواجهات مسلحة، فأمر الخليفة العباسي المستضيء بأمر الله (566 - 575ه) أحد أعوانه الشيعة بالتدخل، فوقف بجانب الشيعة و مال على أهل السنة، و أراد دخول محلتهم، فمنعوه و أغلقوا الأبواب و وقفوا على سور الحي، فأراد إحراق أبوابه، فلما سمع به الخليفة أنكر عليه ما أراد فعله، و أمره بالعودة. لكن الفتنة لم تتوقف بين الطائفتين، و استمرت أسبوعا ثم توقفت دون توسط من السلطة [3] . و لم أعثر لها على أخبار أخرى فيما يخص خسائرها و كيفية توقفها.
(1) القلقشندي: مآثر الأنافة في معالم الخلافة، ط 2، الكويت، مطبعة حكومة الكويت، ج 2 ص: 6.
(2) ابن جرادة: بغية الطلب في تاريخ حلب، ج 9 ص: 1456.
(3) ابن الأثير: الكامل، ج 10 ص: