و أشير هنا أيضا إلى أمر غاية في الأهمية، هو أن الشيعة أقاموا مذهبهم على أحاديث باطلة رواها شيوخهم، كمحمد بن يعقوب الكُليني (ت 329ه) ، فروى أحاديث و أخبارا كثيرة باطلة في كتابه الكافي [1] . و مروياتهم التي اختصوا بها لا وجود لها عند أهل السنة، لكنهم كثيرا ما يُحاولون استخدام الأحاديث الضعيفة و الموضوعة- التي عند السنيين و تخدمهم - لمجادلة أهل السنة، و إقامة الحجة عليهم. لكنهم -أي الشيعة- من جهة أخرى لا يستخدمون الأحاديث السنية الصحيحة، و لا يتطرقون لها، و لا يُؤمنون بها.
و الفتنة الرابعة ما حدث سنة 398هجرية، حيث وقعت فتنة مدمرة بين السنة و الشيعة، عندما ذهب أحد الهاشميين إلى فقيه الشيعة الإمامية: ابن المعلم بمسجد بحي الكرخ و سبّه، فثار أصحابه و استنفروا أهل الحي و اتجهوا إلى القاضي أبي محمد الأكفاني، و إلى شيخ الشافعية أبي حامد الإسفراييني، لأخبارهما بما حدث، و أخذوا معهم مُصحفا زعموا أنه مصحف عبد الله بن مسعود،. فجمع القاضي الأعيان، و الفقهاء، و القضاة، و عرض عليهم المصحف، فوجدوه يُخالف المصحف العثماني المتداول بين المسلمين، فأشار الإسفراييني بحرقه، فأُحرق بحضرة الشيعة، فغضبوا غضبا شديدا، و دعوا على من فعل ذلك و سبّوه، ثم اتجهت جماعة منهم إلى بيت الإسفراييني لإيذائه، فانتقل إلى دار أخرى، فصاحوا -أي الشيعة-:يا حاكم يامنصور. يقصدون حاكم مصر الشيعي الإسماعيلي، للتعريض بالخليفة العباسي، فلما سمع بذلك الحليفة القادر بالله، أرسل أعوانه لمساندة أهل السنة و الانتقام من الشيعة، فحدثت بين الطائفتين شرور كثيرة، و أحرقت دور عديدة بالكرخ. ثم أرسل الخليفة القادر الوزير عميد الجيوش لنفي فقيه الإمامية ابن المعلم، فأخرجه من البلد، ثم أعاده بعدما شُفع فيه. ثم مُنع القُصّاص من التعرض للذكر أو السؤال باسم أبي بكر و عمر، و علي -رضي الله عنهم-،و عاد الشيخ أبو حامد الإسفراييني إلى داره [2] .
و لم يذكر لنا الحافظ ابن كثير محتوى ذلك المصحف الذي زعمت الشيعة أنه مصحف عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه-، و ليته ذكرنا لنا محتواه بالتفصيل-إن كان ذلك ممكنا-، ليمكننا من معرفة ما فيه، لكنه اكتفى بالإشارة إلى أن ذلك المصحف المزعوم يُخالف المصحف العثماني المتداول بين الناس. و ذلك المصحف المزعوم يؤكد ما هو ثابت في مذهب الشيعة الإمامية من اعتقادهم بتحريف القرآن الكريم، و أن قرآنهم يُخالف القرآن المنتشر في العالم اليوم. و من أراد التأكد من ذلك فليرجع إلى أهم كتاب عندهم، و هو: الأصول من الكافي، لأبي جعفر محمد بن يعقوب الكُليني (ت329ه) [3] . هذا فضلا على أن القول بتحريف القرآن، و تكفير الصحابة، هو من ضروريات المذهب الشيعي الإمامي.
و أما زعمهم بأن ذلك المصحف هو للصحابي عبد الله بن مسعود، -رضي الله عنه-، فهو كذب مفضوح من مفترياتهم، لأنه لم يكن لابن مسعود مصحف يُخالف المصحف العثماني أصلا، و هذا ثابت في تاريخ القرآن الكريم، الذي جُمع و وُحدت حروفه بإجماع من الصحابة [4] ،. و قد تكفّل الله تعالى بحفظه من الزيادة و النقصان، و من التحريف و التزوير، قال سبحانه: (( إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) )سورةالحجر / 9 - ، و (( لَا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) )- سورة فصلت / 42 - ، (( الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) )- سورةهود / 1 - . و عليه فإن أية رواية تدعي تحريف القرآن الكريم، فهي رواية باطلة، و مردودة على رواتها.
و الفتنة الخامسة ما حدث سنة 345هجرية، بين السنة و الشيعة بمدينة أصفهان-ببلاد فارس- عندما أقدم بعض أهل مدينة قم - الموجدون بإصفهان- بسب الصحابة، فثار عليهم أهل السنة بإصفهان، و قتلوا منهم خلقا كثيرا، و نهبوا أموالهم، فغضب أمير البلد ركن الدولة الشيعي البويهي، و صادر الإصفهانيين بأموال كثيرة، و أعطاها للذين نُهبت أموالهم [5] .
و أما الفتن التي حدثت بن السنة و الشيعة خلال القرن الخامس الهجري، فمنها ما حدث سنة 421 هجرية، و فيها أحيت الشيعة عزاء عاشوراء، فغلّقوا الأسواق و أعلنوا النوح و البكاء، و علّقوا المسوح في الأسواق، فتصدى لهم أهل السنة بالحديد، و اقتتلوا اقتتالا شديدا، أدى إلى قتل خلق كثير من الطرفين، و حدثت بينهم خُطوب و شرور مستطيرة، لم أعثر على تفاصيلها [6] .
و ثانيها ما حدث سنة 422 هجرية ببغداد، عندما مرّ نفر من شيعة مدينة قم- ببلاد فارس- ببغداد في طريقهم إلى زيارة قبر علي بن أبي طالب، و ابنه الحسين -رضي الله عنهما-، فتعرّض لهم جماعة من أهل السنة ببغداد و منعوهم من إتمام زيارتهم، و قتلوا منهم ثلاثة [7] .
(1) أنظر مثلا: ج 1 ص: 185، 187، 258.
(2) ابن كثير: البداية، ج 11 ص: 339.
(3) انظر مثلا: ج 1 صك 228، 239، 417، ج 2 ص: 619.
(4) أنظ مثلا: البخاري: صحيح البخاري، حققه ديب البغا، ط3، بيروت، دار ابن كثير، 1987، ج 3 ص: 1033، 1291، ج 4 ص: 1720، 1908.
(5) ابن الأثير: الكامل، ج 7 ص: 276. و ابن كثير: البداية، ج 11 ص: 230.
(6) ابن كثير: البداية، ج 12 ص: 28.
(7) ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 7 ص: 356.