فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 180

و الشاهد السادس مفاده أن القاضي الحنفي أبا نصر أحمد الصاعدي النيسابوري (ت 482 ه) كان شديد التعصب لمذهبه الحنفي، و شجع عليه، فأدى عمله إلى اشتداد التعصب بين العلماء فيما بينهم، و بين الطوائف المذهبية فيما بينها أيضا، حتى لعنت بعضها بعضا على المنابر زمن دولة السلطان السلجوقي طغرلبك (ت 455 ه) ، و لم يُرفع ذلك إلا بمجيء نظام الملك (ت 485 ه) إلى الوزارة [1] .

و الشاهد السابع مضمونه أنه لما دخل الواعظ الحسن بن أبي بكر النيسابوري الحنفي بغداد، بين سنتي: 515 - 530 ه، كان يلعن أبا الحسن الأشعري جهارا نهارا، تحت حماية السلطان السلجوقي مسعود [2] .

و الشاهد الثامن هو أنه لما كان الواعظ أبو الفتوح الاسفراييني الأشعري (ت 538 ه) ببغداد و بالغ في الانتصار للأشعرية، كثُرت اللعنات بينه و بين الحنابلة، و في اليوم الذي تُوفي فيه الزاهد ابن الفاعوس الحنبلي (ت 521 ه) كان العوام ببغداد يصيحون: هذا يوم سني حنبلي، لا قشيري و لا أشعري، و تعرّضوا فيه للواعظ أبي الفتوح، و رجموه في الأسواق، و لعنوه و سبوه [3] .

و آخرها-أي الشاهد التاسع- هو أنه في سنة 555 هجرية، اجتمع صبيان من جهلة أهل الحديث بجامع القصر ببغداد، و قرؤوا شيئا من أخبار الصفات، و ذموا المؤولين لها -أي الأشاعرة- ثم لعنوا الحافظ أبا نُعيم الأصفهاني -المتأثر بالأشعرية- و سبوه و كتبوا ذلك على بعض مصنفاته، فتدخلت سلطة بغداد و منعت المحدثين من قراءة الحديث بجامع القصر [4] .

و ثانيا إن من تلك المظاهر المتعصبة أيضا: الذم و التهكم و التنقيص، و منها الأمثلة الآتية، أولها يتعلق بالفقيه أبي عثمان بن الحداد الإفريقي (ت 302 ه) ، كان مالكيا ثم مال إلى مذهب الشافعي، و أصبح يتنقّص بعض الكتب المعظمة عند المالكية، فسمى كتاب المدونة بالمدودة، فهجره المالكية، ثم عادوا و أحبوه عندما تصدى لداعية العبيديين أبي عبد الله الشيعي (ت 297 ه) ، و ناظره و نصر المذهب السني [5] .

و المثال الثاني هو أنه في فتنة ابن القشيري ببغداد [6] ذم كبار علماء الأشاعرة- في رسالتهم إلى الوزير نظام الملك- خُصومهم الحنابلة ذما شنيعا، و وصفوهم له بأنهم رعاع أوباش، مجسمة

(1) اذهبي: السير، ج 19 ص: 8. و ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، حققه محمود الأرناؤوط، ط 1 دمشق، دار ابن كثير، 1989. ج 5 ص: 351.

(2) الذهبي: السيّر، ج 20 ص: 140.

(3) ابن الجوزي: المنتظم، ج 10 ص: 110. و ابن رجب: الذيل على طبقات الحنابلة، ج 1 ص: 211.

(4) ابن الجوزي: نفس المصدر، ج 10 ص: 192.

(5) الذهبي: العبر، ج 2 ص: 128.

(6) سنة 469 ه، و سيأتي ذكرها في مبحث الفتن بين الطوائف السنية، من هذا الفصل، إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت