فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 180

مبتدعة، شرذمة أغبياء من أراذل الحشوية، رفضوا الحق لما جاءهم على يد أبي نصر بن القشيري [1] .

و المثال الثالث يخص تهكم القاضي أبي المعالي عزيزي بن عبد الملك الشافعي الأشعري (ت494ه) بخصومه الحنابلة، و ذلك كان قاضيا على حي باب الأزج ببغداد، الذي غالبية سكانه حنابلة، فكان بينه و بينهم خصام و مهاترات، فيُروى أنه في أحد الأيام سمع رجلا يُنادي على حمار له ضاع منه، فقال القاضي: (( يدخل باب الأزج، و يأخذ بيد من شاء ) ). و قال يوما لأحد أصحابه عن الحنابلة: (( لو حلف إنسان إنه لا يرى إنسانا، فرأى أهل باب الأزج لم يحنث، فقال له صاحبه: من عاشر قوما أربعين يوما فهو منهم ) )، لذا فإنه -أي القاضي- عندما مات فرح الحنابلة بموته كثيرا [2] . ففي قوله الأول ألحقهم بالحمير صراحة، و في الثاني نفى عنهم صفة الأدمية، و ألحقهم بالحيوانات ضمنيا، ثم ألحقه صاحبه هو أيضا بهم، بحكم إنه معاشر لهم.

و آخرها- أي المثال الرابع - يتعلق بتهكم و تنقّص بعض الشافعية بالحنفية و استهزائهم بهم في كيفية الصلاة عندهم، انتصارا للمذهب الشافعي و ردا على معارضيه، و مفاده -أي المثال- أن السلطان محمود بن سبكتكين (ت قرن:5ه) لما أراد أن يُفاضل بين المذهبين الحنفي و الشافعي ليتمذهب بأحدهما، جمع الفقهاء بمدينة مرو و أمرهم بالبحث في أي المذهبين أقوى، فوقع الاختيار على أن يصلي كل طرف ركعتين يدي السلطان على المذهبين، فقام الفقيه الشافعي أبو بكر القفال و صلى بوضوء مُسبغ، و سترة، و طهارة، و قبلة، و باقي الأركان التي لا يُجوّز الشافعي الصلاة دونها. ثم صلى-أي القفال- صلاة (( على ما يُجوّزه أبو حنيفة، فلبس جلد كلب مدبوغ قد لُطخ رُبعه بنجاسة، و توضأ بنبيذ، فاجتمع عليه الذباب، و كان وضوءا مُنكسا، ثم كبّر بالفاريسية، و قرأ بالفاريسية: دو بركك سبز. و نقر و لم يطمئن، و لا رفع من الركوع، و تشهّد و ضرط-أي أخرج الريح- بلا سلام ) )، فقال له السلطان: (( إن لم تكن هذه الصلاة يُجيزها الإمام قتلتك ) )،فأنكرت الحنفية تلك الصلاة، فأمر القفال بإحضار كتبهم فوجدوا الأمر كما قال القفال، و تحوّل السلطان محمود إلى المذهب الشافعي. [3]

و قد علّق حجة الإسلام أبو حامد الغزالي الشافعي (ت505ه) على تلك الصلاة -أي صلاة الحنفية- بقوله: (( و الذي ينبغي أن يقطع به كل ذي دين أن مثل هذه الصلاة، لا يبعث

(1) ابن عساكر: تبيين كذب المفتري، حققه زاهد الكوثري، ط3، بيروت، دار الكتاب العربي، 1984، ص: 310 و ما بعدها.

(2) ابن كثير: البداية، ج 12 ص: 160.

(3) الذهبي: السير، ج17 ص: 486.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت