أولها إنه لما حدث خلاف بين أصحاب الفقيه ابن خزيمة (ت 311 ه) في مسألة كلام الله تعالى، بتأثير من الكلابية أتباع عبد الله بن كلاب البصري (ت 284 ه) ، قال ابن خزيمة: (( و من نظر في كتبي تأكد له أن الكلابية لعنهم الله كذبة فيما يحكون عني ) ) [1] .
و ثانيها، ما ذكره الحسين بن أمامة المالكي، فقال إنه سمع أباه يلعن المتكلم أبا ذر الهروي الأشعري (ت قرن: 5 ه) بقوله: (( لعن الله أبا ذر الهروي، فإنه أول من أدخل الكلام إلى الحرم -أي المكي-،و أول من بثه في المغاربة ) ) [2] .
و الشاهد الثالث ما رواه ابن حزم الظاهري، من أن أحد الأشاعرة بمصر، كان ينكر تكلم الله تعالى بالقرآن، و يلعن من يقول ذلك ألف لعنة. ثم عقّب عليه ابن حزم بقوله: إن من يقول ذلك، عليه ألف ألف لعنة تترى، ثم وصف الطائفة التي تقول ذلك -أي الأشعري- بأنها الطائفة الملعونة [3] .
و الشاهد الرابع ما حدث من تلاعن بين أهل السنة ببغداد وكبير المعتزلة ابن الوليد (ت 478 ه) ، فإنه لما خرق الحصار المضروب عليه، و درّس مذهبه للناس، و لم يصل في الجامع (سنة 456 ه) ، هجم عليه قوم من أصحاب الحديث، فسبوه و لعنوه و ضربوه حتى أدموه، فصاح صياحا شديدا، و لعن لاعنيه، و دخل بيته، ثم فرّ مهاجموه خوفا من أصحاب الحي، و خرج أهل السنة على إثر ذلك إلى جامع المنصور، و لعنوا المعتزلة. و قد لُعنت المعتزلة مرارا زمن شيخها ابن الوليد هذا [4] .
و الشاهد الخامس يتعلق بالحافظ عبد الله الأنصاري الهروي الحنبلي الصوفي (ت قرن: 5 ه) ، فإنه كان يلعن أبا الحسن الأشعري جهارا بمدينة هراة. و عندما سأله الشافعية و الحنفية - في حضرة الوزيرالسلجوقي نظام الملك- عن سبب لعنه للأشعري، قال لهم: لا أعرف الأشعري، و إنما ألعن من لم يعتقد إن الله في السماء، و إن القرآن في المصحف، و إن النبي اليوم نبيا [5] .
(1) الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج 2 ص: 726.
(2) ابن تيمية: درء تعارض العقل و النقل، حققه محمد رشاد سالم، الرياض، دار الكنوز، 1391 ه ج 2 ص: 101.
(3) ابن حزم: الفصل، القاهرة، مكتبة الخانجي، د ت، ج 4 ص: 160.
(4) ابن الجوزي: المنتظم، ج 8 ص: 236. و ابن الأثير: الكامل في التاريخ، حققه عبد الله القاضي، ط 2، بيروت، دار الكتب العلمية، 1995 ج 9 ص: 576. و ابن كثير: البداية، ج 12 ص: 91. و ابن رجب: الذيل عل طبقات الحنابلة، حققه محمد حامد الفقي، القاهرة، مطبعة السنة المحمدية، 1953، ج 1 ص: 192.
(5) الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج 3 ص: 1188. و السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، حققه محمد الطناجي ط 2، الجيزة، دار هجر، 1992 ج 4 ص: 273.