و الشاهد السادس يقطر حقدا و كراهية للصحابة -رضي الله عنهم-، مفاده أن بعض الرافضة سمع الصوفي المعروف بالرِعب (ت750ه) يمدح الشيخين أبا بكر الصديق و عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-، فانزعج -أي ذلك الشيعي- و قطع لسان ذلك الصوفي [1] .
و آخرها -أي الشاهد السابع - ما رواه المؤرخ أحمد المقري التلمساني من أن جده حكى أن سنيا مغربيا ذكر أنه لما كان بالمدينة المنورة رأى ذات يوم رافضيا أقدم و بيده فحمة، فكتب على جدار قريبا منه: من كان يعلم أن الله خالقه فلا يُحب أبا بكر و عمر، و انصرف )) ، فتنبه ذلك الرجل السني إلى أمر لطيف، فمحى كلمة يحب و جعل مكانها: يسب، فأصبحت العبارة: فلا يسب، ثم عاد-أي السني- إلى مكانه. فلما رجع الرافضي تنبّه لما حدث، و جعل (( يلتفتُ يمينا و شمالا، كأنه يطلب من صنع ذلك ) )، ولم يتهم الرجل المغربي، ثم انصرف لما أعياه الأمر [2] .
و بذلك يتبين مما ذكرناه أن ظاهرة سب الشيعة للصحابة كانت منتشرة بينهم كثيرا. و أنها دليل دامغ على ما يكنه هؤلاء للصحابة من بغض و كراهية، بسبب التعصب المذهبي الذي أعمى قلوبهم و عقولهم. فما هي ردود فعل أهل السنة تجاههم؟.
لقد تمثلت ردودهم في التصدي لهم و عدم السكوت عنهم، باستخدام عدة وسائل لمقاومتهم، أولها إصدار أحكام شرعية في الشيعة لسبهم أصحاب رسول الله-عليه الصلاة و السلام-، منها ما قاله الإمام سفيان الثوري (ت 161ه) ، فعندما سُئل عمن يشتم أبا بكر -رضي الله عنه- قال: كافر بالله العظيم لا يُصلى عليه [3] .
و منها ما قاله الإمام مالك بن أنس (ت 179ه) ، فقد ذهب في رواية عنه إلى القول بتكفير من يسب الصحابة [4] . و منها أيضا موقف الحافظ أبي زرعة الرازي (ت260ه) فقد قال: (( إذا رأيت الرجل يتنقص أحدا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فاعلم أنه زنديق ) ) [5] .
و منها ما قاله القاضي أبو يعلى الفراء (ت 458ه) ، فذكر أن الذي عليه الفقهاء في مسألة سب الصحابة، هو إن كان الساب مستحلا لذلك كفر، و إن لم يكن مستحلا فسق و لم يكفر [6]
(1) اليافعي: مرآة الجنان، حوادث سنة: 750ه.
(2) المقري: نفح الطيب، حققه إحسان عباس، بيروت، دار صادر، 1968 ج 5 ص: 256 - 257.
(3) اذهبي: السير، ج 7 ص: 253.
(4) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ج1 ص: 478.
(5) أبو الحجاج المزي: تهذيب الكمال، حققه بشار عواد، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1980 ج 19 ص: 96.
(6) ابن حجر الهيثمي: الصواعق المحرقة أهل الرفض و الضلال و الزندقة، حققه عبد الرحمن التركي، ط1، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1997، ج 1 ص: 168.