و من ذلك أيضا استغلال الحنابلة و أهل الحديث لنفوذهم في الدولة العباسية زمن الخليفتين القادر بالله (381 - 422ه) و ابنه القائم بأمر لله (422 - 467ه) ، فضيقوا على الأشاعرة و طاردوهم ببغداد و استطالوا عليهم [1] . و بتأثير منهم انتصر الخليفة القائم للقاضي أبي يعلى الفراء في نزاعه مع الأشاعرة في مسألة صفات الله تعالى، و أصدر الاعتقاد القادري دعما له في سنة432 هجرية، و عندما تجدد النزاع بينهما تدخل -أي الخليفة- ثانية و عقد لهما اجتماعا حضره علماء بغداد و أعيانها، تمّ فيه الانتصار للقاضي أبي يعلى فيما دوّنه في كتابه إبطال التأويلات، و تظاهر الأشاعرة بالموافقة و القبول [2] .
و أما الأشاعرة، فهم أيضا استعلوا نفوذهم السياسي لخدمة مذهبهم و التعصب على الحنابلة و أهل الحديث، فمن ذلك أنهم استغلوا نفوذهم زمن الوزير السلجوقي نظام الملك (ت 485ه) ، فأصبح وعاظهم يأتون إلى بغداد و ينصرون الأشعرية علانية، و يُهاجمون الحنابلة و أهل الحديث، و يذمونهم، و يتهمونهم باعتقاد التجسيم بدعم من السلطان [3] .
و المثال الثاني مفاده أن طائفة من الأشاعرة استغلوا نفوذهم في الدولة العباسية، و اعترضوا على الحافظ عبد الغني المقدسي (ت600ه) عندما قرأ بعض أحاديث الصفات، فاتهموه بالتجسيم و رفعوا أمره إلى برغش أمير دمشق، و إلى السلطان الأيوبي العادل، و كان ذلك سنة 595هجرية، فقالوا للأول: إن هذا الرجل ضال، و أفتوا بكفره و قتله. و سعى بعضهم لدى الثاني-أي السلطان- و أغرى صدره على عبد الغني، و بذل 5000 دينار لقتله، فما بلغ مقصوده [4] .
و المثال الثالث يتضمن شاهدين على ما بلغته الأشعرية من نفوذ و هيمنة على البلاد و العباد، أولهما ما قاله الفقيه الموفق بن قدامة المقدسي (ت 620ه) من أن الحنابلة في زمانه كانوا غرباء مُستضعفين في أكثر الأمصار، يُضامون، و يُخوّفون، و يُضطهدون [5] . حلّ بهم ذلك على أيدي الأشاعرة و إن لم يُسميهم الموفق، لأنهم -أي الأشاعرة- هم الذين كانوا يحكمون مصر و الشام زمن الموفق، في ظل الدولة الأيوبية، و هي دولة شافعية أشعرية كما سبق أن ذكرناه. و ثانيهما ما
(1) ابن رجب: الذيل، ج 2 ص: 197، 239. و ابن مفلح: الفروع، ج 2 ص: 14.
(2) ابن رجب: نفس المصدر، ج 2 ص: 198.
(3) ابن الجوزي: المصدر السابق، ج 8 ص: 305، ج 9 ص: 3، 4، 131. و ابن النجار: ذيل تاريخ بغداد، ج 2 ص: 185. و ابن رجب: المصدر السابق، ج 2 ص: 239.
(4) الذهبي: تاريخ الإسلام، حوادث: 591 - 600 هجرية، ص: 450.
(5) ابن قدامة المقدسي: كتاب البرهان في بيان القرآن، مجلة البحوث الإسلامية، الرياض، العدد 19، سنة 1407ه ن ص: 280.