و أما أهل السنة فهم أيضا استغلوا السلطة للانتصار لمذهبهم و التضييق على مخالفيهم من جهة، و استخدموها أيضا في الانتصار لمذاهبهم و التعصب على بعضهم بعض من جهة ثانية. فبخًصوص انتصارهم لمذهبهم و التضييق على مخالفيهم، فإنهم عندما رفع عنهم الخليفة المتوكل (227 - 247ه) محنة خلق القرآن، طاردوا المعتزلة، و نبذوهم، و آذوهم، و حالوا بينهم و بين تكوين جماعة قوية منظمة ذات تأييد شعبي و نشاط مذهبي واسع ببغداد، حتى أن السلطة العباسية أمرت بمنع بيع كًتب المعتزلة و تداولها، و كان ذلك في سنة279 هجرية [1] .و في سنة 408 هجرية جمعهم الخليفة القادر بالله و استتابهم من الاعتزال و الرفض، و من كل ما يُعارض دين الإسلام، فأعلنوا توبتهم، و وقعوا على ذلك بخطوطهم، و حذّرهم من العودة إلى ما كانوا عليه [2] .
و عندما زالت دولة بني بويه الشيعية و جاءت محلها الدولة السلجوقية السنية، تغير حال أهل السنة ببغداد و ترجّت كفتهم على الشيعة -الذين فقدوا دعم بني بويه - فلما زالت دولتهم أمر الوزير السني أبو القاسم بن المسلمة بنصب أعلام سود- شعار العباسيين- بحي الكرخ رغم انزعاج الشيعة. و أمرهم أيضا بترك الأذان بحيى على خير العمل، و أن يقول مؤذنهم في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم، يردد ذلك مرتين. و أجبرهم على إزالة ما كتبوه على المساجد: محمد و علي خير البشر، و قتل شيخهم ابن الجلاب لغلوّه في التشيع. و في هذا الظرف نظّم أهل السنة بحي البصرة مسيرة انطلقت من حيهم إلى حي الكرخ الشيعي، و هم يُنشدون قصائد في مدح الصحابة [3] .
و أما بالنسبة للسنيين فيما بينهم، فكل طائفة منهم كان لها نفوذ سياسي في السلطة استغلته لنصرة مذهبها و التضييق على مخالفيها، فمن ذلك أن بعض أهل الحديث استغل نفوذه في دولة الخليفة المعتمد على الله (256 - 279ه) ، و ضيّق على الصوفية بالمطاردة و التشنيع عليهم، و اتهمهم أفرادا و جماعات بالزنا و الزندقة، و رفع أمر بعضهم إلى الخليفة المعتمد بتهمة المروق عن الدين، فأحالهم إلى قاضي القضاة، فاستمع لهم و ناقشهم و عفا عنهم في النهاية [4] .
(1) ابن الجوزي: المنتظم، ج 8 ص: 236. و ابن كثير: البداية، ج 11 ص: 64 - 65.
(2) نفس المصدر، ج 7 ص: 287. و نفس المصدر، ج 12 ص: 6.
(3) ابن الجوزي: نفس المصدر، ج 8 ص:172. و ابن كثير: نفس المصدر، ج 12 ص: 69.
(4) الهجويري: كشف المحجوب، ترجمة إسعاد عبد الهادي قنديل، دار النهضة العربية، بيروت، 1980، ص: 421.