أما إذا ظهر منه ما يظهر من المنافقين فإن الأمر راجع في ذلك إلى المصلحة التي يراها ولي أمر المسلمين، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قد امتنع عن قتال جماعة من المنافقين، فلم يقتل النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن أبي مع أنه ظهر أمره له، والعلماء عللوا عدم قتل النبي عليه الصلاة والسلام للمنافقين في عصره بعلل، منهم من قال: إن النبي عليه الصلاة والسلام لا يحكم بعلمه، وهذا محل إجماع، وقد حكي الإجماع على أن النبي عليه الصلاة والسلام ومثله القاضي لا يحكم بعلمه في حكم القتل، واختلفوا في غيره من الحدود والأقضية، وقد نص على الإجماع في ذلك غير واحد من العلماء: أن القاضي لا يحكم بعلمه في أبواب القتل على خلاف في بقية الحدود. وقال بعض العلماء: إن النبي عليه الصلاة والسلام امتنع من قتالهم للتعليل الذي ذكره: (أتريدون أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه؟!) فامتنع النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك دفعًا لأمر أعظم، وهو أن يرتد الناس يعني: العرب لأنهم حدثاء عهد بكفر، وهذا ظاهر، فينبغي أن ينظر في ذلك أهل العلم والمعرفة وأصحاب السياسة والدراية، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) ، وأصحابه هم من حوله؛ لأن المنافقين في الظاهر هم داخلون في حكم الإسلام فحوكموا في ذلك، لهذا قال العلماء: يدخل في هذا الحكم من دخل في لواء المشركين وهو ينتسب إلى الإسلام في حال الحرب، قالوا: فلما كان المنافق أدخله الشارع في حكم المؤمنين وهو يبطن النفاق، كذلك المؤمن إذا انزوى تحت المشركين عند محاربة المسلمين للمشركين فحكمه حكمهم وهذا ظاهر. وعلل بعض العلماء فقالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام علم أن الله عز وجل قد عصم أصحابه من الوقوع في شبهاتهم، ولما كان بعد النبي عليه الصلاة والسلام وجب قتل أمثالهم.