أخلاقه وسيرته: كان كثير الحياء هينًا لينًا متواضعًا جوادًا سخيًّا، متواضعًا عند الخاصة والعامة ذا أناةٍ وحلمٍ ووقار، وهذا يذكر من أجل ماذا؟ من أجل أن البعض قد يقع عنده نوع تقصير من طلاب العلم في التعبد لله عز وجل، لا شك أن العلم عبادة، والعبادة مفتقرة إلى شرطين: إخلاص، والمتابعة. إذا كان ثَمَّ ضعفٌ في الإخلاص في التوجه في طلب العلم حينئذٍ كيف يحسن في طالب العالم أن يسير في هذه العبادة؟ ثَمَّ خلل، يعني: قد يقع في الإنسان أو يقع في نفس الإنسان بأنه صلى مرائيًا أو صام مرائيًا أو قام الليل مرائيًا، لكن لا يرد ذلك في شأن العلم، يعني: لا يجد شكوى من نفسه في طلب العلم، وهذا والله أعلم في حدِّ نظري أنه يَبْعُد عن ذهن الطالب أن العلم عبادة، يعني: يغيب عن الذهن بأن العلم عبادة، لأنه إذا ذهب وخرج منذ أن يخرج من بيته إلى أن يجلس ثم يعود أنه في عبادة، وهذا كما ذكرت إذا غاب عن ذهن الطالب حينئذٍ ضعف تحقيق شرط الإخلاص في هذه العبادة العظيمة، ولذلك كما ذكر أهل العلم أن الله عز وجل لم يأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بطلب زيادةٍ من شيء إلا من العلم، وأمر به وأثنى على العلماء وأثنى على العلم، ومن ضوابط العبادة عند أهل العلم أن كل ما أثنى الله تعالى عليه أو مدحه أو مدح أهله أو أمر به سواءٌ كان الأمر على جهة الإيجاب أو الاستحباب حينئذٍ تكون النتيجة بأن هذا القول أو هذا العمل أو هذا الترك عبادة لله عز وجل، وهذا كما ذكرت قد يغيب عن ذهن بعض طلبة العلم، ينبني على ذلك استحضار التعبد في جميع سلوك طالب العلم، ولذلك في قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ} [البقرة: 282] . وإن كانت هذه مفصلة لكن بعضهم يجعل الواو هنا عاطفة فيجعل التقوى شرطًا في صحة العلم، وهذا لا شك فيه أنه صحيح لكن لا يكون العكس هو المتصور في الذهن طالب العلم، بعض الطلاب يظن أنه لن يكون متقيًا أو ما ذكر من الأخلاق في أخلاق أهل العلم إلا بعد أن يحصل ويحصل من العلم الشرعي، وهذا فهمٌ خاطئ لا، وإنما يكون تصحيح السلوك مع الإقدام على العلم الشرعي ما أن يعلم مسألة سواءٌ كانت عقدية أو عملية أو أخلاقية بمعنى أنها مرتبطة بالسلوك حينئذٍ إلا ويعمل بها، ما فائدة العلم إذا لم يكن ثَمَّ عملٌ بالعلم؟ حينئذٍ كل ما تجد في تراجم أهل العلم من التعبد وما يذكر من الأخلاق والتضحية في شأن العلم وفي شأن التعامل مع الناس وأخلاقهم مع الناس هذه تجدها مطردة في كلام أهل العلم في تراجم أهل العلم، وهذا لم يأت هكذا عبسًا، وإنما يأتي منذ أن يشرع طالب العلم في تحصيل العلم واستحضر أنه عبادة حينئذٍ هو ملزمٌ بأن يعمل بكل ما يعلمه، وإلا كان العلم عليه، حجةً عليه لا له، إذًا هذه من أخلاق ابن قدامه مع كونه متفننًا في الفنون ومع كونه منشغلًا بالعلم مع كونه يصنف صباح مساء مع تعليمه وتعلمه ونحو ذلك، كان كثير الحياء هينًا لينًا متواضعًا جوادًا سخيًّا متواضعًا عند الخاصة والعامة، ذا أناةٍ وحلمٍ ووقار.