مُسْلِمُونَ كَأَمْثَالِهِمْ مِنْ خُلَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ, فَلَمَّا ظَهَرَ النِّفَاقُ وَالْبِدَعُ وَالْفُجُورُ الْمُخَالِفُ لِدِينِ الرَّسُولِ سُلِّطَتْ عَلَيْهِمْ الْأَعْدَاءُ فَخَرَجَتْ الرُّومُ النَّصَارَى إلَى الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَأَخَذُوا الثُّغُورَ الشَّامِيَّةَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إلَى أَنْ أَخَذُوا بَيْتَ الْمَقْدِسِ فِي أَوَاخِرِ الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ وَبَعْدَ هَذَا بِمُدَّةِ حَاصَرُوا دِمَشْقَ وَكَانَ أَهْلُ الشَّامِ بِأَسْوَأِ حَالٍ بَيْنَ الْكُفَّارِ النَّصَارَى وَالْمُنَافِقِينَ الْمَلَاحِدَةِ؛ إلَى أَنْ تَوَلَّى نُورُ الدِّينِ الشَّهِيدُ وَقَامَ بِمَا قَامَ بِهِ مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ وَإِظْهَارِهِ وَالْجِهَادِ لِأَعْدَائِهِ ثُمَّ اسْتَنْجَدَ بِهِ مُلُوكُ مِصْرَ بَنُو عُبَيْدٍ عَلَى النَّصَارَى فَأَنْجَدَهُمْ وَجَرَتْ فُصُولٌ كَثِيرَةٌ إلَى أَنْ أُخِذَتْ مِصْرُ مِنْ بَنِي عُبَيْدٍ أَخَذَهَا صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ شَادِيّ وَخَطَبَ بِهَا لِبَنِي الْعَبَّاسِ؛ فَمِنْ حِينَئِذٍ ظَهَرَ الْإِسْلَامُ بِمِصْرِ بَعْدَ أَنْ مَكَثَتْ بِأَيْدِي الْمُنَافِقِينَ الْمُرْتَدِّينَ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ مِائَةَ سَنَةٍ )) .
إن هذا الإصطفاف السني العام لدفع الصائل ورفع راية الجهاد ودحر الصليبيين حقق نتائج رائعة في تلك المرحلة بل وما بعدها حيث انكفأ الصليبيون بعد هذه الحملات وغيروا من تكتيكاتهم وظل شبح صلاح الدين رحمة الله يلاحقهم ,وليس معنى ذلك أن نسكت عن الأخطاء بل نسعى إلى ترميم وإصلاح هذا الإصطفاف وصولًا إلى حقيقة أهل السنة وأصولهم المعروفة ولكن الأمر يحتاج إلى مراعاة سلم الأولويات و ترتيب المصالح لأن الإسراع بذلك قد يؤدي إلى وأد الإصطفاف في مهده وبالتالي حصول مفاسد ضخمة من تسلط الأعداء على الأمة فلا بد من إحتمال أدنى المفسدتين لتجنب أعلاها وترك أقل المصلحتين للحصول على أعلاها والله أعلم.
ولوانتقلنا إلى عصر ابن تيمية لوجدنا أن هذا الإمام العظيم والمجدد الكبير قد حقق هذا الإصطفاف السني كيف لا وهو العالم البارع الذي يقدر مصالح الأمة مع أنه من أشد الناس إنكارًا على أهل البدع والضلالة واستطاع حشد أهل السنة على إختلاف توجهاتهم لهدف دفع الصائل وحماية الوجود الإسلامي بل واعتبر هؤلاء المجاهدين الدافعين للصائل على ما عليهم من أمور اعتبرهم هم الطائفة المنصورة في ذلك الزمان ,قال ابن تيمية [1] : (( وَاعْلَمُوا أَصْلَحَكُمْ اللَّهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ أَنَّهُ قَالَ:(لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ) وَثَبَتَ أَنَّهُمْ بِالشَّامِ, فَهَذِهِ الْفِتْنَةُ قَدْ تُفَرِّقُ النَّاسُ فِيهَا ثَلَاثَ فِرَقٍ: الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ وَهُمْ الْمُجَاهِدُونَ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ. وَالطَّائِفَةُ الْمُخَالِفَةُ
(1) مجموع الفتاوى (ج 28 / ص 416) .