إن التفريق بين الحالات يترتب على التمييز بين مصطلحي الإعانة و الإستعانة 'ففي الإعانة فالراية و القيادة للكفار و القرار بيدهم و المسلمون تبع ينفذون ما يريده الكفار من أوامر ونظم وقوانين فهذه هي المظاهرة , وأما في الإستعانة فالراية والقيادة للمسلمين الذين يستعينون بالكفار فالمسألة الأولى مخرجة عن الملة و الثانية مسألة فرعية خلافية لا يكفر المخالف فيها وقد يكون هناك حالات مشتبهة ينظر فيها بدقة لتحديد أمرها, قال الشيخ عبد العزيز العبداللطيف [1] :
(( وقد يخلط البعض بين مسألة تولي الكفار ومظاهرتهم، وبين مسألة الاستعانة بهم في قتال الكفار فالمسألة الأولى خروج عن الملة، ومحاربة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومفارقة لسبيل المؤمنين، يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ عن ذلك:"وأكبر ذنب وأصله وأعظمه منافاة لأصل الإسلام ونصرة أعداء الله ومعاونتهم، والسعي فيما يظهر به دينهم، وما هم عليه من التعطيل والشرك والموبقات العظام", وأما مسألة الاستعانة بهم في قتال كفار آخرين فهي مسألة خلافية بين أهل العلم، فهناك من منعها، وهناك من أجازها بشروط كأن يحتاج إليهم، وتؤمن خيانتهم، وأن لا يكونوا أصحاب صولة وشوكة ... الخ، وأما الاستعانة بالكفار على بغاة المسلمين فهذه ممنوعة عند جماهير علماء الإسلام ) ).
وقد فصل العلامة ابن حزم في هذه المسائل بشكل أوضح من غيره مع أنه هو من نقل الإجماع على كفر تولي الكفاروميز الفرق بين الإعانة و الإستعانة وفي حالات الحمية وحالات الظلم فلكل حالة تفصيلها, قال ابن حزم [2] في: (( فَصَحَّ بِهَذَا أَنَّ مَنْ لَحِقَ بِدَارِ الْكُفْرِ وَالْحَرْبِ مُخْتَارًا مُحَارِبًا لِمَنْ يَلِيهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ بِهَذَا الْفِعْلِ مُرْتَدٌّ لَهُ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ كُلُّهَا: مِنْ وُجُوبِ الْقَتْلِ عَلَيْهِ، مَتَى قُدِرَ عَلَيْهِ، وَمِنْ إبَاحَةِ مَالِهِ، وَانْفِسَاخِ نِكَاحِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَبْرَأْ مِنْ مُسْلِمٍ , وَأَمَّا مَنْ فَرَّ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ لِظُلْمٍ خَافَهُ، وَلَمْ يُحَارِبْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَعَانَهُمْ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَجِدْ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُجِيرُهُ، فَهَذَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ مُكْرَهٌ , وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الزُّهْرِيَّ مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِم بْنِ شَهَابٍ: كَانَ عَازِمًا عَلَى أَنَّهُ إنْ مَاتَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لَحِقَ بِأَرْضِ الرُّومِ، لِأَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ يَزِيدَ كَانَ نَذَرَ دَمَهُ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَانَ الْوَالِي بَعْدَ هِشَامٍ فَمَنْ كَانَ هَكَذَا فَهُوَ مَعْذُورٌ ) )
وقال أيضًا [3] :
(1) نواقض الإيمان القولية والعملية (ج 1 / ص 148) .
(2) المحلى بالآثار (ج 12 / ص 125) .
(3) المحلى بالآثار (ج 12 / ص 127) .