بأمر لاطائل منه وهذا معلوم في قواعد التكفير و ضوابطه و شروطه وموانعه, فلكل حالة حكمها حسب شروطها و حيثياتها وملابساتها, كما أننا نلاحظ أن العلماء عندما تكلموا عن هذه المسألة تكلموا بالحرمة و أعني الإستعانة بالكفار على البغاة ولم يتكلم أحد من الفقهاء بالتكفير إلا عند الإقرار والإلتزام بلوازم كفرية كما ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب , قال النووي [1] وقريب منه كلام ابن قدامة في المغني: (( لو استعان البغاة علينا بأهل الحرب، وعقدوا لهم ذمة وأمانا ليقاتلوا معهم، لم ينفذ أمانهم علينا، فلناأن نغنم أموالهم، ونسترقهم، ونقتلهم إذا وقعوا في الاسر، ونقتلهم مدبرين، ونذفف على جريحهم، وقال القاضي حسين: لا يتبع مدبرهم، ولايذفف على جريحهم، والصحيح الاول ) ), فتأمل في كلام النووي فهل وصف المستعين بالكفر والردة بل نقل الخلاف في اعتباره مستأمنًا أم لا ,وإنما نذكر هذا الأمر رغم جزمنا بعدم جواز الإستعانة بالكفار الصليبيين لأن الأمور ستؤول حينها إلى استهداف المسلمين لا محالة ولكن التكفير يحتاج إلى ترو وتأن ووضوح للحالة.
هذا ولم نناقش وجهة النظر التي تميز بين البغاة والخوارج وتجعل للخوارج أحكام الطائفة الممتنعة بل وبعض الفقهاء يعطيهم أحكام المرتدين وهذا قول يتبناه بعض العلماء فيكون تخريج المسألة حينها على مسألة الإستعانة بالكفار على المرتدين رغم أننا لا نتبنى القول بتكفير جماعة الدولة ولكن اعتبارهم خوارج قد يذهب بالبعض إلى هذا التأويل وقد ذكر ابن قدامة هذه المسألة فقال [2] :
(( الْخَوَارِجُ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِالذَّنْبِ، وَيُكَفِّرُونَ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ، وَكَثِيرًا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَيَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمْوَالَهُمْ، إلَّا مَنْ خَرَجَ مَعَهُمْ، فَظَاهِرُ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ، أَنَّهُمْ بُغَاةٌ، حُكْمُهُمْ حُكْمُهُمْ , وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَمَالِكٌ يَرَى اسْتِتَابَتَهُمْ، فَإِنْ تَابُوا، وَإِلَّا قُتِلُوا عَلَى إفْسَادِهِمْ، لَا عَلَى كُفْرِهِمْ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إلَى أَنَّهُمْ كُفَّارٌ مُرْتَدُّونَ، حُكْمُهُمْ حُكْمُ الْمُرْتَدِّينَ، وَتُبَاحُ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، فَإِنْ تَحَيَّزُوا فِي مَكَان، وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَشَوْكَةٌ، صَارُوا أَهْلَ حَرْبٍ كَسَائِرِ الْكُفَّارِ، وَإِنْ كَانُوا فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ، اسْتَتَابَهُمْ، كَاسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ، فَإِنْ تَابُوا، وَإِلَّا، ضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ، وَكَانَتْ أَمْوَالُهُمْ فَيْئًا، لَا يَرِثُهُمْ وَرَثَتُهُمْ
(1) روضة الطالبين (ج 10 / ص 343) .
(2) المغني - (ج 8 / ص 524) .