فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 35

ابتدأ هذه الدعوة محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، كما ذكرت من قبل، ودعوا الناس إلى بيعتهم، وكانت البيعة للرضى من آل محمد صلى الله عليه وسلم، هكذا دون تحديد لشخصية أمير هذه الدعوة، وكان هذا متعمدًا، لحرص العباسيين على كسب شيعة العلويين إلى دعوتهم، وآل محمد صلى الله عليه وسلم تشتمل العلويين والعباسيين، فالمبايع له في هذه الدعوة هو شخص مجهول بالنسبة لأغلبية من بايع باستثناء النقباء وكبار الدعاة الذين كانوا يعرفون صاحب الدعوة باسمه وعينه، وقال السيوطي:"بعث محمدٌ رجلا إلى خراسان وأمره أن يدعو إلى الرضى من آل محمد صلى الله عليه وسلم ولا يسمي أحدًا، ثم وجه أبا مسلم الخراساني وغيره، وكتب إلى النقباء فقبلوا كتبه".

قلت: فهذا هو ما تيسر لنا من القول في مسألة هل تجوز البيعة لمجهول؟ والذي يظهر من النقول السابقة أن هذا جائز طالما كان أهل الحل والعقد يعرفون المبايع له. والله أعلم"، انتهى."

يظهر من الكلام السابق أن بيعة من لم يعرف اسمه وعينه جائزة إذا كان معروفًا لدى أهل الحل والعقد، وهذا ما كان من إخواننا في مجلس الشورى فهم على معرفة تامة بالأمير المنصب اسمًا وعينًا، والله تعالى أعلم.

فإحداث إمامة على غير سبيل الشريعة المرضية، ثم حمل الناس عليها بالسيف، إحداثٌ في الدين، على غير هدى، ويخشى أن يصير ضلالة ينزع الله تعالى بها بركته، ويذهب عن الجهاد ريحه، فتحتلب به الأمة دما، لارحمة ورشدا، وتمزّقا، لا إجتماعا وألفة، توضع بها السيوف على رقاب المسلمين، وتلغ في دماء الأمة، بعد أن كانت في نحور أعداءها، وترتد بعد أن كانت فيهم إلى صميم أحشاءها.

واضح من كلام الشيخ حفظه الله خوفه وخشيته على المسيره الجهاديه في بلاد الرافدين ..

وهذا ما يخشاه كل مؤمن مسلم والله ..

بل ان قيام دولة العراق الإسلاميه حفظها الله كانت بمثابة صمام الأمان والحافظ بعد الله عز وحجل من الإنزلاق في هذه المهالك ..

فوجود التشكيلات الجهاديه على ما كانت عليه قبل قيام دولة العراق الإسلاميه كانت هي الفتيل والشرار التي قد تحرق ثمرة الجهاد لا سمح الله ..

فجاءت دولة العراق الإسلاميه لتنزع هذا الفتيل وتطفيء تلك الشراره ولله الحمد ..

وكل من له علم بواقع الجهاد في بلاد الرافدين يعلم هذا الأمر تماما ..

فقد يعتقد البعض ان بعض المشاكل لم تظهر الا بعد قيام دولة العراق الإسلاميه حفظه الله!!

وهذا خطأ بيّن ..

بل كانت هناك مشاكل كادت تعصف بالجهاد حتى جاءت دوله العراق الإسلاميه لتحل تلك المشاكل بحكمتها وبسيطرتها على الأوضاع وبسبب كلمتها المسموعه عند غالبية العشائر المجاهده ..

بل ان أفراد بعض الجماعات الجهاديه يستمعون لدولة العراق الإسلاميه اكثر من الجماعة التي ينتمون لها .. وما ذلك الا لظهور شوكة الدولة وسيطرتها على كثير من المناطق ولله الحمد ..

تبقى مسألة مهمة جدا يجب التطرق لها حتى يعلم الناس سببا مهما من جملة الأسباب التي دعت الى ضرورة اعلان دولة العراق الإسلاميه .. والتي أعتبر الإعلان عنها نصرا من الله عز وجل وفتح عظيم .. وخطوة موفقه أفرحت قلوبنا واثلجت صدورنا .. فالمتابع للاحداث (من الداخل بالتحديد) سيتبين له بما لا يدع مجالا للشك ان الإقدام على هذه الخطوة قد افسد كثيرا من مخططات العدو الصليبي ومخططات الحكومات الطاغوتيه وبعض المرتزقه .. فأسقط في أيديهم وبدأت تخبطاتهم تظهر للجميع ..

وسأنقل لكم جزء مهم جدا من الكتاب الماتع النافع العظيم القدر والأهمية (اعلام الانام بقيام دولة الإسلام) :

وجوب سياسة شؤون المسلمين:

في خضم العركة الملتهبة في مناطق العراق المختلفة (والسنية منها بالتحديد) تشكلت مناطق واسعة تعاني من الفراغ السياسي لعدم وجود أي سلطة نافذة فيه، فالعدو الأمريكي لا يستطيع أن يظهر أمام الناس ليفض خصوماتهم ويشرف على شؤونهم ضمن مؤسسات ومجالس تدار مباشرة من قبله (أي من جنوده) فهذا لا يمكن أن يحدث في كثير مناطق العراق وخاصة السنية منها، لأن العدو لا يدخلها إلا لقتال ونزال، فهو يُضرب عند أدنى انكشاف وظهور أمام نيران المجاهدين، وبالمقابل سيكون التعويل في سدِّ هذا الفراغ على أذناب العدو وخدّامه المرتدين من وجهاء الحكومة العراقية العميلة، وهذا بفضل الله لن يكون بسبب الضعف والخلخلة التي تعاني منها هذه الحكومة، فضلًا عن أنها لم تحقق أي تواجد يذكر لقواتها وأجهزتها داخل المناطق السنية التي تقع الآن تحت سلطة المجاهدين وشوكتهم، وكان هذا سببًا في حدوث التماس المباشر بين المجاهدين والناس لغآية ملئ هذا الفراغ، ولعلم الناس أن المجاهدين هم الأقدر على سدِّ هذه الخلة، فصار المجاهدون بفضل من الله ينظمون مجالس القضاء، وإقامة بعض الحدود وتسييس الأمور العامة في المناطق. . . . الإدارية منها والاقتصادية والاجتماعية، فوقع لهم بذلك قبولًا حسنًا وموطئًا راسخًا على تلك الأرض بتوفيق الله، وهو ما يدعو بكل إلحاح لإعلان الدولة الموجودة في الخفاء، وإبرازها للناس ليعم الخير وتندفع مخاطر الإرباك السياسي الحاصل.

والمطالب الشرعية التي تلح على ضرورة قيام دولة تتمثل في نقاط:

منها إقامة الحدود وفض النزاعات والخصومات وتحقيق الأمن وملاحقة المجرمين والعصاة.

يقول أبو المعالي الجويني في غياث الأمم (245) :

"فإذا لم يتفق مستجمع للصفات المرعية واستحال تعطيل الممالك والرعية، وتوحد شخص بالاستعداد بالأنصار والاستظهار بعدد الاقتهار والاقتسار والاستيلاء على مردة الديان، وساعدته مواتاة الأقدار وتطامنت له أقاصي الأقطار، وتكاملت أسباب الاقتدار، فما الذي يرخص له في الاستئخار عن النصرة والانتصار، والممتثل أمر الملك القهار كيف انقلب الأمر واستدار، فالمعنى الذي يلزم الخلق طاعة الإمام ويلزم الإمام القيام بمصالح الإسلام، إنه أيسر ملك في إمضاء الأحكام وقطع النزاع والإلزام، وهو بعينه يتحقق عند وجود مقتدر على القيام بمهمات الأنام مع شغور الزمان عن إمام، فقد تحقق ما أحاوله قطعا بحمد الله العظيم شأنه، ووضح كفلق الصبح دليله وبرهانه فامض يا صدر الزمان قدمًا ولا تؤخر الانتهاض لما رشحك الله له قدمًا، انتهى."

فالسيطرة على الوضع الأمني كان من أكثر الدواعي تحفيزًا وتشجيعًا، وقد كان للمجاهدين بفضل الله اليد الطولى في ترتيب هذا الملف، فمنذ أيام الجهاد الأولى أخذ المجاهدون على عاتقهم، ملاحقة الفوضى الأمنية، ومتابعة المجرمين ومعاقبتهم، وعلى رأسها أعمال السلب وقطع الطرق وإرهاب المسلمين وترويعهم، ونهب الممتلكات، ومظاهر الفحش والفجور التي انفلتت على أعقاب الغزو الحاقد، ومن المعلوم أن الإمساك بهذا الملف يحتاج قوة وسلطة نافذة تمارس صلاحيات التوقيف والمساءلة والتعزير والعقوبات، وهذا ما يمارسه المجاهدون على أرض الميدان، فهم أصحاب الشوكة وهم الأجدر بترتيب الوضع الأمني لأجل شوكتهم ولأجل قبول الناس لهم وثقتهم بدينهم وصدق منهجهم، وهو ما يدعو من جديد لإعلان الدولة المباركة لتحقق المظاهر السيادية للمجاهدين على الأرض، ولدفع الشرور والأضرار المترتبة على عدم ممارسة صلاحيات الشوكة والسيادة كما هو ظاهر.

إدارة الوضع المعاشي:

لا يخفى على أحد، من أن الغزو الأمريكي على العراق قد تسبب بانهيار كامل في مرافق دولة من أضخم دول المنطقة، وكان هذا سببًا مفتعلًا لتحطيم قدرات الشعب المسلم في العراق، وجعل مفاتيح الأمور باليد الأمريكية فقط وعلى رأس ذلك الوضع الاقتصادي والمعاشي، الذي تدار من خلاله الرؤوس والوجاهات، وتشترى به الذمم والأمانات، وهذا ما سبب تدهورًا خطيرًا في الحياة العامة للمسلمين، لعدم توفر الحاجات والضرورات الاقتصادية الهامة، وعدم وجود نظام اقتصادي معتمد تقضى به حوائج الناس ومتطلباتهم، ناهيك عن أن ما يعرف بالحكومة العراقية تكشّف في حقيقته على أنه وكر للصوصية المحترفة التي جمعت في دواوينها ومؤسساتها ومرافقها الحكومية الخلص من مجرمي العراق وانتهازييه ولصوصه، الذين من شأنهم السهر على نهب خيرات هذا البلد، وتسويق ثرواته وتخزينها وبيعها في الخارج على حساب أرصدتهم الخاصة وتحت أغطية دولية وصليبية حاقدة، مع بقاءهم متحصنين بعيدًا عن هموم الناس ومشاكلهم في بقعتهم الخضراء كللها الله بالسواد العاجل. . آمين آمين، فهذا الوضع المحزن أوقع المسلمين في شدة وبلاء ظاهرين، مما حدا بنخوة المجاهدين وأخلاقهم الكريمة أن يقوموا ببعض الترتيبات الإدارية التي من شأنها تخفيف حدة الوضع القاسي والمتدهور في أمور المعاش، فهم يشرفون على توزيع كثير من المواد الغذائية ومواد الإغاثة، وينظمون أعمال بيع النفط والغاز وغيرها من الحاجات، التي ساهمت في تخفيف معاناة الناس وأدخلت المجاهدين في سباق مع الزمن في تحمل المسؤوليات والتكاليف، وهو ما يدعو بجدية وحزم لاتخاذ خطوتنا المباركة، بإعلان الدولة الإسلامية الجديدة، لتأخذ مسارها الفعال في خدمة أمور المسلمين وتحسين أوضاعهم، وفق نظام شرعي اقتصادي لا يتأتى دون قيام الدولة وممارستها لصلاحيات السلطة والسيادة التي تشرف على هذه المصالح العامة من منطلق المسؤولية الشرعية، كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:

"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته"، رواه البخاري ومسلم.

اجتماع المسلمين في العراق على كلمة سواء تحت راية إسلامية واحدة:

وهذا من أعظم الدواعي التي دفعت أبناء مجلس الشورى للنهوض بمشروع الدولة المباركة، بعد أن اتضح للعيان نوايا الحقد الصليبي في تمزيق جهود أهل السنة وتفريق جماعاتهم وبث التناحرات والخلافات فيما بينهم، وقد جهدوا في ذلك جهدًا كبيرًا في الآونة الأخيرة ظنًا منهم أن اللحمة الإسلامية سهلة الاقتلاع، وأن مشاريع التقسيم والاحتواء والالتفاف يمكن أن تمرر على المسلمين والمجاهدين، ولهذا تأتي هذه الدولة المباركة لتصد تلك المؤامرة وتخرق شباكها المحاكة بأنامل الصليب وخدامه المأجورين من الروافض والمحسوبين على أهل السنة من المتنفّعين والمتنفّذين، ولتحقق أعظم مقاصد الشرع باجتماع الناس على كلمة سواء، وترسخ معالم التعاون الشرعي بين المسلمين، وخاصة المجاهدين منهم، فإعلان الدولة الإسلامية سيكون سببًا في لم الشتات الجهادي من مجموعات وجماعات لتصبح ضمن إطار الدولة الجديدة وثقلها السياسي القوة الضاربة في المنطقة، وتتمكن بذلك من المساهمة في بناء هذا الصرح المبارك وتشييد معالمه، مع العلم أن التجربة أثبتت أن الوحدة الشاملة لن تكون دون انتهاج هذه الخطوة المباركة التي ستؤمن مظلة واسعة رحبة يأوي إليها كل العاملين الصادقين والمجاهدين المخلصين، ويكون ذلك تحقيقًا لقوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعانوا على الإثم العدوان) المائدة:2، و بالنظر إلى القاعدة المعروفة"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، نعلم أنه لما كانت إقامة الدين، ورد كيد الصليبين والمرتدين المعتدين على أمة الإسلام وحوزة المسلمين لا تتم إلا بإمام، فإن تنصيب الإمام واجب في الدِّيْن وهذا إجماع المسلمين، كما أجمعوا على تنصيب الصديق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لإقامة الدين، وتنظيم شئون المسلمين، والعمل لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، ثم سار المسلمون على ذلك أعني تنصيب خليفة وإمام جيلًا بعد جيل، وقد نص الله على وجوب ذلك، قال تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) النساء:58، والأمانة هنا هي أمانة الحكم، وقال صلى الله عليه وسلم:"من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية"، رواه مسلم.

ولا شك أن قتال الغزاة الصليبين وأعوانهم من عملاء الحكومة المرتدة واجب، ولما كان القتال لا يصلح إلا بقائد وإمام وجماعة تصدر عن رأي ومشورة وأمر وقرار فإن تنصيب إمام للجهاد واجب لا شك فيه، ولا يجوز أن يقاتل الناس متفرقين مختلفين بغير إمام ونظام، لأن هذا مدعاة للفشل والهزيمة والضياع، وهذا أمر معلوم ببداهة العقول، وكذلك كان من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده تنصيب إمام للحج يصدر الناس عن رأيه ويرجعون إليه، فالحج عبادة لا تصح إلا بإمام كذلك الزكاة عبادة لا تصح إلا بإعطائها لإمام وتوزيعها بنظام كما قال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة) التوبة:103، فأمر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان الخلفاء ينصبون في كل بلد من يجمع الزكاة من أغنياء البلد ويوزعها على فقرائه، فالإمام هو الذي يأخذ الزكاة، ويوزعها، ولم يترك الرسول لهم حرية توزيع الزكاة كل كما يشتهي، بل لا بد وأن تجتمع لدى أمير الناحية ثم توزع حسب مصارفها الشرعية.

والشاهد أن الزكاة كالحج والصلاة، عبادات لا تصح إلا بجماعة وإمام، وكذلك الصوم لا بد فيه من إمام يحدد بدء الشهور ونهايتها، ويجب على المسلم أن يلتزم برأي الإمام وجمهور الناس وألا يشذ عنهم في فطر أو صوم، كما قال صلى الله عليه وسلم"الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون"، أخرجه الترمذي عن أبي هريرة.

وهذا كله يدل على أن هذه العبادات العظيمة أركان الإسلام لا تصح إلا بجماعة والتزام رأي الإمام والعمل فيها بنظام، وأن الشذوذ في شيء منها خروج من الجماعة يوجب الإثم، فمن شذ عن جماعة الصلاة مع قدرته عليها فلا صلاة له، ومن أخرج زكاته بعيدًا عن السلطان القائم فلا زكاة له، ومن شذ عن صوم الناس فصام وحده وأفطر وحده فقد شذ وأثم، ومن حج وحده فجعل لنفسه يومًا يقف فيه بعرفة دون الناس فلا حج له.

وهكذا نعلم أن الجماعة لازمة في هذه الأركان، ولا شك بلزوم الجماعة للجهاد، وأنه لا جهاد إلا بأمير وقائد، وإمام. .، ولا شك أنه لا جماعة إلا بطاعة وإمام كما قال سبحانه وتعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه) النور:62.

والمعنى أنه لا يجوز لمسلم إذا كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر جامع كالجهاد مثلًا، فإنه لا يجوز له أن يترك الرسول صلى الله عليه وسلم وموقفه في الجيش إلا بعد استئذان الرسول صلى الله عليه وسلم، وأما إذا تسلل وانفلت دون إذن فإن هذا خروج من الطاعة، ومدعاة لسخط الله وعقابه، كما قال تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] .

كما أن الاختلاف والشقاق مرفوض شرعًا، ذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) البقرة:114، قال (2/ 78) :"ولا يمنع بناء المساجد إلا أن يقصدوا الشقاق والخلاف بأن يبنوا مسجدا إلى جنب مسجد أو قربه يريدون بذلك تفريق أهل المسجد الأول وخرابه واختلاف الكلمة، فإن المسجد الثاني ينقض ويمنع من بنيانه، ولذلك قلنا: لا يجوز أن يكون في المصر جامعان ولا لمسجد واحد إمامان ولا يصلي في مسجد جماعتان"، انتهى.

وذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه مسائل الجاهلية:"الثانية: أنهم متفرقون، ويرون السمع والطاعة مهانة ورذالة فأمرهم الله تعالى بالاجتماع ونهاهم عن التفرقة، قال تعالى: {واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} "انتهى.

وقد نهى الله عز وجل عن التفرق والاختلاف في ساحات العمل الجهادي وأخبر أنه نذير فشل وخسران، وندب جميع المسلمين أن يجتمعوا على كلمة واحدة ومنهج واحد يأطرهم على طاعة الله وطاعة رسوله ويعصمهم من الشقاق والنزاع، قال تعالى (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) الأنفال:46

ومعلوم أن تسلط العدو على المسلمين وإذلاَلَه لهم هو بسبب تفرقهم واختلافهم، كما في حديث ثوبان مرفوعا أن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: (وَأَنْ لا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا"، ولا يتم الخلاص من هذا الوضع المهين إلا بعلاج سببه، وذلك باجتماع المسلمين، والتفرق كما أنه سبب لتسلط العدو فهو نفسه نشأ لأسباب أخرى يجب علاجها، ومنها التهاون بأحكام الدِّيْن وإغفال العمل ببعضها، هذا يؤدي إلى الاختلاف والتفرق كعقوبة قدرية، قال تعالى: {فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء} [من سورة المائدة: 14] ، وقال تعالى: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53] ، وعلاج هذا يكون بالاعتصام بالكتاب والسنة حتى يؤلف الله تعالى بين القلوب، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ 62} وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال: 62 - 63] "

ولهذا قال سبحانه: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ 118} إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ [من سورة هود] ، قال أبو السعود في تفسيره (4/ 248) :

"إلا من رحم ربك: إلا قومًا قد هداهم الله تعالى بفضله إلى الحق فاتفقوا عليه ولم يختلفوا فيه"وفي هذا دليل على أن القوم المجتمعين البعيدين عن الخلاف هم قوم مرحومون مقبولون عند الله، وهذا ما شهدناه- والله شهيد- من إخواننا في مجلس شورى المجاهدين، فقد وفقهم الله للمّ الشتات وتوحيد الكلمة ودعوة المسلمين لذلك، فما كلت عزائمهم ولا ملت هممهم وهم يقطعون أشواط المحاورات والنقاش والتفاوض مع إخوانهم المسلمين من العشائر والوجاهات والفصائل والجماعات، مما حدا بالكثير من المجاميع والكتائب المقاتلة أن تبايع المجلس وتقفوا أثره، وهو أيم الله علامة الرضا والرحمة التي تكلؤهم من فوق سبع سماوات، وهذه الأَمارة وحدها كافية في دفعنا نحو التبشير بميلاد الدولة الإسلامية، فقوام مجلس الشورى أضحى أكثر تماسكًا، ورعاياه أصبحوا أكثر عددًا وعدة، وجنوده كل يوم في ازدياد، وأعمالهم ومشاريعهم في نمو عطاء والله الهادي إلى سواء السبيل.

ولقد تفضل الله على المجاهدين في الدولة الإسلامية بحل منازعات ثائرة منذ قرون لم تستطع حكومة البعث الكافرة حلها بكل جبروتها وسطوتها وطغيانها، وقد حاول أعداء الله المحتلين حل بعضها للتقرب إلى العشائر فذهب أدراج الرياح.

ووفق الله إخوانكم المجاهدين في ساعات معدودة لحل كثير من هذه المنازعات وخرج الطرفان في غآية الرضى والسعادة، حتى إن أحدهم قال ذات مرة: والله ما فرحت في حياتي مثل ما فرحت اليوم، وذلك لأن أبناء العشيرتين قد انخرطوا في صف واحد وجماعة واحدة هي جماعة دولة الإسلام تمامًا كما انخرط الأوس والخزرج في صف واحد وجماعة واحدة، فسهل بفضل الله ما صعب في الجاهلية النتنة.

ملء الفراغ السياسي:

وكما أسلفنا هو مطلب شرعي، وهو دور حركي تمليه الممارسة الجهادية عبر تطور مراحلها وتكامل أطوارها، وتنقّلها في مستويات النجاح العملياتي والعسكري، لتتأهل الممارسة بذلك وتصبح مفروضة في الواقع كشكل من أشكال السياسة الشرعية، عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم"، رواه البخاري ومسلم.

قال ابن حجر في فتح الباري (6/ 497) :

"وفيه إشارة إلى أنه لا بد للرعية من قائم بأمورها يحملها على الطريق الحسنة وينصف المظلوم من الظالم"

والسياسة الشرعية مبنية على أساس رعآية المصالح وتكميلها، والفراغ الذي يحصل في هذا الباب سيؤدي بلا ريب لضياع المصالح وتفويتها، والعدو الصليبي يعول على هذا الباب في لفت الأنظار وصرفها عن حقيقة المعركة، ويسعى بجد لاستجلاب الناس واستمالتهم بمشاريع الإعمار والخدمات ليحقق بذلك مكاسب سياسية في الميدان، والدور الذي سيلعبه الإعلان عن الدولة الإسلامية، سيكون كفيلًا في إفشال مخططات اللعب بعقول أبناء السنة لتجنيدهم في الجيش والشرطة والحرس لصالح المخطط الصليبي الأمريكي ليصبحوا أذنابًا له يدورون في فلكه ويتحركون وفق إشارته، فالإعلان عن الدولة سيشكل ثقلًا سياسيًا إسلاميًا نابعًا من تجربة جهادية صادقة، أقامها ورسم روائعها أبناء العراق أنفسهم مع إخوانهم المهاجرين، وهو ما سيضفي على المشروع الجديد شرعية تاريخية يستحقها بموجب نضاله وتصديه للغزاة والمحتلين، وهو بدوره ما سيصنع قطبًا إسلاميًا يلتف حوله أبناء المسلمين في العراق ويستثمروا طاقاتهم في بناءه وإنهاضه، بعيدًا عن الوقوع في مستنقعات العمالة والانجرار إلى متاهات الردة وعهرها، ودون تقديم قوائم المطالبة والاستجداء والتوسل للحكومة المرتدة العميلة، التي ستظهر في مشهدها الحقيقي عريّة مسلوخة عن الشرعية والمصداقية، بلا معونة ولا مساندة من أحد من أبناء المسلمين، وتذوب سريعًا أمام وهج تألق الدولة الإسلامية المباركة.

ثمار الجهاد يقطفها المجاهدون قبل غيرهم:

حسب تقديراتنا للأوضاع الجارية في العراق وبعد مضي أكثر من ثلاث سنوات، أصبحت المكاسب الجهادية، واضحة للعيان وراحت تؤتي أكلها على كافة الصعد السياسية الاقتصادية والاجتماعية، وقبل أن يأتي زمان يدعي فيه كل أحد وصلًا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك، قبل أن يهرع شذاذ الآفاق من بعيد ليتسولوا على موائد الغير ويشركوا أنفسهم في أمر لا ناقة لهم فيه ولا جمل، وهي العادة التي جرت عند قدوم النصر وحصول الظفر، قبل ذلك كله ينبغي للمجاهدين أن يتخذوا الخطوة المناسبة في حفظ مكتسباتهم واستحقاقاتهم، ويوصدوا الأبواب في وجه المتسولين والانتهازيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت