فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 35

قبل بدء الحرب الجوية توقع كثير من العسكريين الروس والفيتناميين وغيرهم أن تفشل الحملة العسكرية الامريكية في القضاء على طالبان أو تنظيم القاعدة .. وعزا الروس ذلك إلى تجربتهم الخاصة في أفغانستان .. وكانت هناك الكثير من التعليقات الساخرة من العسكريين الروس حول مقدرة الجنود الأمريكان على شن الحرب بالطريقة التي روجوا لها في وسائل الاعلام ..

كانت الحرب لم تبدأ بعد ونظر كثير من الناس إلى الامر وكأنه محسوم سلفا ..

وإذا كان الكتاب والمحللين السياسيين الامريكيين معذورين في تصورهم لذلك لوجود الدوافع الوطنية لديهم وغرور القوة التي يتمتع بها الامريكان .. فإن كتابا مثل الراشد والحمد وبن طفلة العجمي وغيرهم من الكتاب العرب لم يكونوا معذورين عندما يجزمون بحتمية الهزيمة لطالبان والقضاء على تنظيم القاعدة .. كان يجب أن ينظروا إلى الوقائع الاولية قبل أن يحكموا بحتمية الهزيمة على طرف مسلم، مازالت قضيته تثير جدلا واسعا حول شرعية الضربات التي يتلقاها من طرف صليبي معروف سلفا أغراضه المصلحية في الشرق الاسلامي.

مر شهر على الضربة وراهنت أمريكا على ثلاثة أمور:

1 -أن يحصل انشقاق داخلي في الحركة

2 -أن تقوم ثورة داخلية من البشتون على طالبان بعد أن تكون الضربات الجوية قد اثارت السخط على طالبان من قبل الافغان تحت سيطرتها.

3 -أن يحقق تحالف الشمال نصرا عسكريا سريعا بمساندة الغطاء الجوي الأمريكي ..

لم يحدث اي شيء من تلك الامور التي راهنت أمريكا عليها، فلم يحدث انشقاق داخلي وفشلت نظرية الثورة بل زاد السخط بين الافغان على امريكا، وعندما تحرك عبدالحق قضت عليه طالبان فورا وبمساندة قبائل في منطقته.

وأخيرا ما زال تحالف الشمال يفتقد إلى العدد اللازم لاكمال قدراته القتالية في الحرب ..

في البداية كان الغموض يلف استراتيجية طالبان في المواجهة لقلة المعرفة بالنسبة لنا كقراء لم يسبق لهم زيارة افغانستان ولم نتابع قبل الاحداث الحالية تطورات تكوين طالبان وكيفية استيلائها على المناطق في افغانستان، وكثير من التقارير تؤكد أن طالبان في بدء تكوين الدولة لم تخض معارك كبيرة لأن كثيرا من المناطق فتحت سلما .. وكانت طالبان في البداية مجرد قوة تشبه قوة حفظ السلام في أفغانستان ..

ثم تغيرت الموازين بصورة كبيرة .. عندما حصلت المراسلات بين بن لادن والملا محمد عمر ثم اللقاء ثم انضواء بن لادن تحت مضلة طالبان .. وفي النهاية اقنع اسامة بن لادن الشيخ جلال الدين حقاني بالانضمام إلى طالبان .. هنا انقلبت الموازين العسكرية لطالبان حيث أن حقاني كان من كبار القادة العسكريين في أيام الجهاد السابق وينضوي تحته العديد من القادة العسكريين في منطقة خوست .. وهؤلاء القادة كانوا على مستوى عالي من الخبرات القتالية والتي وظفوها لخدمة المجهود العسكري لطالبان ..

وساهم تنظيم القاعدة بتدريب دفعات كثيرة من طالبان وإعداد قوات ذات قدرات قتالية عالية في شن الحرب بأشكالها المختلفة

ويبدو من متابعة ما يكتب من تقارير من هنا وهناك أن طالبان والقاعدة يدركون جيدا قدراتهم التسليحية فاعتمدوا على استراتيجية عسكرية كان لها دور كبير جدا في تقليل الخسائر العسكرية في صفوفهم ..

يمكن تسمية هذه الاستراتيجية ب استراتيجية (الحركة الدائمة)

وهذه الاستراتيجية وضح دورها الكبير في التقليل من آثار الضربات الجوية على المناطق التابعة لحركة طالبان ..

تقوم هذه الاستراتيجية على اعتماد نوع محدد من السيارات (نصف نقل بالدارج(ونيتات) يتم تركيب المدافع المضادة للطائرات من نوع (شلكة) في الصندوق ويتواجد عدد معين من المقاتلين المستعدين للاشتباك في أي لحظة .. بجوار الشلكة، وعندما يتوفر العدو يقوم الافراد بالانتشار فورا ومهاجمته ..

تتحرك هذه السيارات في حركة شبه دائمة وبصورة متفرقة لتفادي القصف الجوي، وايضا للبحث عن العدو ومواجهته في أي لحظة وبشكل مفاجئ ..

هذا ما حدث فعلا عند الانزال البري على جبل بابا صاحب حيث اعترفت قوات الدلتا فورس، أنها فوجئت تماما بقوات طالبان وكأنها وقعت في كمين نصبه لها رجال طالبان ..

بالنسبة للاسلحة الثقيلة التي تملكها طالبان، فلم أجد أي معلومات دقيقة عن كمياتها وأنواعها لكن الشيء المؤكد أن طالبان استعدت في فترة الاعداد الامريكية (قرابة شهر) وقامت بعمليات اخفاء لعدد كبير من تلك الاسلحة ...

وأما سلاح الطيران فلم تكن طالبان تعتمد عليه كثيرا .. لذا لم تعطه بالا خصوصا أنه لوجستيا لم يكن بمقدورها استخدام هذا السلاح لغياب العمق الاستراتيجي الذي يمكن أن تلجأ إليه طالبان لتوفير قطع الغيار أو غيرها من المتطلبات الضرورية للطيران إضافة إلى أن التحالف لن يترك لها فرصة استخدام المطارات في ظل غياب المنظومة المتكاملة لاستخدام سلاح الطيران (رادارت، مراكز تحكم ومراقبة جوية ... الخ)

لذا كان تعويل طالبان على الحركة الدائمة للقوات وإخفاء أكبر قدر ممكن من المدرعات بانتظار الحرب البرية الشاملة ..

ولا يمكن بالطبع تغييب القاعدة عن هذه الحرب فالقاعدة تقوم بأدوار حاسمة في ادارة وتطوير المجهود الحربي لطالبان .. ومن أبرز اسهامات القاعدة الحالية ما يلي:

1 -توفيرها لأفضل وأقوى الكتائب القتالية في حماية المدن الرئيسية مثل جلال اباد وكابل وقندهار ...

ومعلوم أن المقاتلين العرب هناك ليس أمامهم سوى طريقين النصر أو الشهادة .. فلا يوجد لديهم أي فرصة للنجاة سوى القتال والاستمرار في القتال بكل قوة .. فلا يفكر الواحد منهم أنه يمكن أن يعود لبلاده بعد انتهاء الحرب، عمليا ليس لديه خيار سوى الدفاع عن أرضه الجديدة (افغانستان) وهذا ما يجعلهم مقاتلين اشداء، هذا غير ما عرف عن العرب من الشجاعة المتناهية في القتال ..

وعموما الجندي المسلم متفوق دائما على غيره، لأنه يطلب الشهادة بينما الجندي الكافر يطلب الحياة والسلامة.

2 -توفيرها لقدرات عسكرية خاصة جدا، وقد نشرت الشرق الاوسط اليوم على صدر صفحتها الاولى خبرا بالخط العريض: كتائب انتحارية للافغان العرب استعدادا للحرب البرية. وهذه الكتائب دربت على القيام بأعمال مثل استخدام السيارات المفخخة والطائرت الشراعية ذات المحرك الواحد للقيام بعمليات تفجير في التجمعات العسكرية للعدو ..

بقيت مسألة تحالف الشمال وخطوط التماس بينه وبين طالبان وهذه معضلة حقيقية بالنسبة لأمريكا

فأمريكا تحتاج لوقت طويل لتسليح تحالف الشمال وتوجيهه لخوص حرب أكثر فعالية .. لكن تداخل الخطوط يؤدي كثيرا إلى كوارث حتى في خطوط تحالف الشمال وعلى سبيل المثال نقل أمس أن القنبلة ذات وزن 7 طن ألقيت بالقرب من مزار شريف فتسببت في قتل 100 من طالبان وفي نفس الوقت قتل 200 من تحالف الشمال (لست متأكدا من الخبر لكنه نموذج) ، وإذا علمنا أن تحالف الشمال لا يملك أكثر من 15 عشر الف مقاتل بينما طالبان تملك أكثر من 45 ألف مقاتل غير تنظيم القاعدة وغير المتطوعين الباكستانيين، نصبح هنا أمام حقيقة وهي أن التفوق الجوي والتسليحي لتحالف الشمال سوف يواجه بالتفوق البشري لطالبان ,, وجميعنا يتذكر الحرب العراقية الايرانية وكيف ان الحرب راوحت مكانها لأنه مقابل التفوق التسليحي العراقي كان هناك تفوق بشري ايراني في المقابل ..

على اي حال .. طالبان لديها شبكات انفاق والارض ارضها ورجالها خاضوا الحرب منذ عشرين سنة تقريبا فلا مشكلة حقيقية لديهم، ولا مشكلة من جانب تحالف الشمال ايضا في هذه الناحية، لكن المشكلة الحقيقية تكمن لدى الامريكان فهم يقاتلون في ارض غير ارضهم ويقاتلون عدوا لا يعرفون الكثير من المعلومات عنه ولم يفهموا بعد استراتيجيته.

واذا كانت أمريكا تقول إن استراتيجيتها في الحرب تقوم على مبدأ (اضرب واهرب) فإن تلك الاستراتيجية منيت بفشل ذريع في نموذج الانزال البري في قندهار ..

وتبين لها أنها بحاجة إلى خوض الحرب بطريقة أخرى .. فهل ستنجح تلك الطريقة؟

هذا ما ستجيب عنه الايام القادمة، لكن الشيء الذي أنا متأكد منه أن طالبان ستصمد طويلا وأمريكا لن تتحمل تبعات الحرب خصوصا الاقتصادية منها.

كتبه \ لويس عطية الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت