الصفحة 99 من 162

الجريمة -في الغالب- اعتداء موجه من الفرد إلى الجماعة. لذلك كان طبيعيًا أن تختلف النظرة إلى الجريمة باختلاف النظر إلى طبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع.

فأما الأمم التي تبالغ في تقدير حرية الفرد، وترى أن كيانه الذاتي يجب أن يتحقق دون أن تقف في سبيله العراقيل، فهي لا تكتفي بالتساهل في أمر الجريمة، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، فترى أن المجتمع هو المسئول عن جرائم أفراده، بما يفرض عليهم من الكوابت والقيود. وترى -تبعًا لهذا- أن المجرم مجنيّ عليه، وهو أحق بأن يعوض عن جريمته لا أن يعاقب عليها!

وعلى العكس من ذلك الأمم ذات النظم الجماعية. فهي تبالغ في الحط من قيمة الفرد ولا تعترف له بكيان مستقل. فتقسو تبعًا لذلك في الحكم على جرائمه ومخالفاته، لأنها في نظرها اعتداء على شيء"مقدس"هو الجماعة، من شيء لا قداسة له في ذاته ولا كيان!

أما الإسلام فله رأي في الجريمة والعقاب ينفرد به بين كل نظم الأرض، ويمسك فيه بميزان العدالة المطلقة -بقدر ما يمكن أن تتحقق في دنيا البشر- فلا يسرف في تقدير حقوق الجماعة، ولا يسرف في تقدير حقوق الفرد، ولا يميل مع واحد منهما على حساب الآخر، وذلك تبعًا لنظرته المتوازنة التي ينظر بها إلى الناس، لا من واقعهم الأرضي المحدود، ولا من زواياهم المتضاربة، بل ينظر إليهم من أعلى، من السماء، فيراهم كلهم في لحظة واحدة، بنظرة واحدة شاملة، تدرك مساربهم المتشعبة، وهي كامنة في داخل أنفسهم، أو وهي أعمال صريحة في واقع الحياة. فحينذاك لا يبدون فردًا وجماعة منفصلين متقابلين، بل يبدون وشائج متصلة، وعلاقات متداخلة، لا يمكن فصل بعضها عن بعض. وتبدو الأرض لا خيرًا خالصًا ولا شرًا خالصًا، وإنما نسيجًا من هذا وذاك. ينبع الخير من الشر، كما ينبع الشر من الخير. ومن كليهما يتكون نسيج البشرية! وعن هذه النظرة العميقة الشاملة المتوازنة يصدر الإسلام في كل تشريعاته وتوجيهاته: في العبادات والمعاملات، في الاجتماعيات والاقتصاديات، وفي تقدير الجريمة والعقاب.

ولنأخذ في شيء من التفصيل.

في الأمم الفردية تكون ذات الفرد مقدسة ... وإذا تتبعنا التاريخ وجدنا أن هذه النظرة حديثة. فأما في الماضي، فكانت القداسة في نطاق ضيق شديد الضيق، لا تشمل إلا السيد المسيطر على القطيع. وكانت الشعوب هملًا، لا يحسب لها حساب ولا تباح لها حقوق، وإنما تفرض عليها الواجبات والالتزامات من كل جانب. وشيئًا فشيئًا انتقلت القداسة إلى الحاشية المحيطة بالسيد، وإلى الأشراف كطبقة، وإلى رجال الدين، وإلى أصحاب الإقطاع على وجه العموم. ثم قامت الثورات، السلمي منها والدموي، فتغيرت الأحوال على مر الأيام، واسترد القطيع كيانه، ثم أخذ يسيطر بالتدريج، حتى انتقلت القداسة إلى أفراده باعتبارهم مصدر السلطات ...

وللشيوعية رأي في أن الناس ما زالوا مستعبدين، وإنما تغير السيد من صاحب الإقطاعية إلى صاحب المصنع أو صاحب رأس المال. والواقع أن الكيان الاقتصادي للفرد في الدول الرأسمالية يخضع خضوعًا كاملًا لسيطرة أصحاب رءوس الأموال. ولكن الحرية الشخصية -فيما عدا هذا- مباحة للفرد في أوسع الحدود، إلى درجة القداسة التي لا ينبغي أن تمس ولو خرجت عن حدود الأدب واللياقة ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت