الصفحة 5 من 162

نزلت المسيحية لمواجهة المادية المتطرفة التي كانت شائعة في بني إسرائيل وفي العالم الروماني كله يوم بعث المسيح عليه السلام. مادية تغالي في التشبث بالأرض والقيم الأرضية البحتة، حتى لتقطع كل صلة لها بعالم الروح، وتنسى كل دواعي السماء. لذلك كان من المناسب أن تشتمل على قدر غالب من الروحانية الصافية المرفرفة الجميلة، لتتعادل مع تلك المادية، لعلها تصلح النفوس.

ومن ثم كانت كل تعاليم المسيح عليه السلام دعوة للتطهر والروحانية. دعوة ترتفع بالإنسان عن نفسه، وتصل به إلى الآفاق العليا التي تسمو عن الجسد والمادة. الآفاق الطليقة من قيود الأرض ومن نوازع الشهوات.

ولكن هذه التعاليم المرفرفة الصافية، لم يكن المقصود بها أن تكون هي النظام الدائم الذي تسير عليه البشرية. فقد أنزل الله رسالته الأخيرة بعد ذلك بما يقرب من ستة قرون، حين اقتضت الحكمة العليا أن ينزل النظام الأخير ...

ومهما يكن من أمر فإن هذه التعاليم المترفعة المتسامية التي تنفخ فيها روح نبي، قد تحولت من بعده إلى قيود متزمتة تتشدد بها الكنيسة ورجال الدين، حتى حولوها إلى رهبانية تنعزل عن الحياة وتقهر النوازع الفطرية، بحجة أن هذه النوازع دنس ينبغي أن يتطهر منه الأتقياء، الذين يخشون ربهم ويرجون لقاءه يوم القيامة، أو الذين هم -على حد تعبيرهم-"في المسيح".

وربما كانت الكنيسة ورجال الدين قد استوحوا من تعاليم المسيح وهم يحولون المسيحية إلى تشددها المتزمت، حين وجدوا المسيح مثلًا يقول:

"إذا أعثرتك عينك فاقلعها وألقها عنك، فإنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك من أن يلقى بدنك كله في جهنم".

ولكنه كان استيحاء خطرًا، يوشك -لو أنه نفذ بحذافيره- أن يعطل دفعة الحياة المتجددة الدائبة، ويصل به إلى البوار.

وما من شك أن هذه لم تكن حكمة السماء من إنزال المسيحية، ولا حكمة المسيح عليه السلام وهو يدعو لصلاح البشر. وإنما كانت تصرفًا بشريًا تطرف عن الحد المقبول، فانقلب عن مقصده الأصيل.

"وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا" [1] .

وقد فشلت المسيحية في صورتها تلك عند التطبيق العملي، لأنها تتطلب من البشر فوق ما يطيقون احتماله. ولأن كبت النوازع الفطرية على هذه الصورة أمر مستحيل. فدفعة الجسد قوية عنيفة. وهي لا تفتأ تلح على الإنسان، وتضغط عليه ضغطًا ليستجيب إليها. فإذا وقع الفرد بين ضغط الغريزة الدائم الملح، وبين العقيدة التي توحي إليه أن الاستجابة لهذا الضغط دنس لا يجوز أن يلوث به نفسه، فليس لذلك إلا نتيجة واحدة، أو إحدى نتيجتين: إما أن يستجيب لوحي العقيدة -إن استطاع- فيترهبن، وينقطع عن الحياة والأحياء، أو يستجيب لدفعة الجسد العنيفة الملحة، فيطلق الشحنة الحبيسة التي يرهقه حبسها ويعذبه. ولكنه مع هذا لا ينجو من العذاب. فهناك الصراع الداخلي العنيف الذي ينشب في ضمير الفرد الذي تستولي عليه هذه العقيدة: صراع بين ما فعله وما كان ينبغي أن يفعله، صراع بين الجسد والروح. ينتهي بالعقد النفسية التي أشار إليها فرويد، وخصص حياته للكشف عنها، أو ينتهي بالاضطرابات العصبية التي تضيع نشاط الفرد وتبدد طاقاته، فلا ينتفع بها لنفسه، ولا ينتفع بها أحد من الأحياء.

(1) سورة الحديد [27] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت