كنت في صغري شديد الإعجاب بفرويد إلى حد الفتنة!
كنت في سن المراهقة التي يستهويها الكشف عن المجهول، في كل شيء. في الكون وفي الحياة والإنسان. وكان فرويد يخايل لي بنظرية العقل الباطن، فيخيل إلي وقتئذ أنه يمنحني المفتاح السحري الذي يفتح مغاليق الأسرار، أو المنظار السحري الذي يكشف المجهول. وأن أغوار النفس الإنسانية السحيقة حاضرة كلها بين يديّ، بنظرة واحدة في المنظار المسحور!
وظللت على فتنتي هذه سنوات، أقرأ كل ما يصل إليّ من أقوال فرويد أو شروح تلاميذه المعجبين به، وإن كان قد هالني منذ اللحظة الأولى أنه في تفسيره للأحلام لا يدع مجالًا للأحلام التنبؤية، ويلغي كل صلة للإنسان"بالمجهول"الكبير ..
وأكملت دراستي الثانوية ودخلت الجامعة، وزادت بالطبع معلوماتي عن الكون والحياة والإنسان. وبدأت أنظر إلى فرويد بغير نظرة الإعجاب المسحور. بل بدأت أتخذ منه موقف الناقد، بقدر ما كانت تسمح به تجاربي في ذلك الحين.
ثم دخلت معد التربية، حيث درست علم النفس بشيء من التوسع، وفرويد بشيء من التفصيل ...
وخطر لي في أثناء هذه الدراسة أنه بينما يتطرف فرويد في إطلاق النفس من عقالها، ورفع"الكبت"عن الغرائز المحبوسة، وتتطرف الدعوات المتزمتة من الجانب الآخر في فرض الكبت على الطاقة الحيوية للإنسان، يقف الإسلام بينهما موقفًا وسطًا، فلا يفرض القيود إلى الحد الذي يرهق النفس، ويعطل دفعة الحياة، ولا يطلق الإنسان من عقاله إلى الحد الذي يرده حيوانًا، ويلغي ما تعبت الإنسانية في الوصول إليه في جهادها الطويل، من"ضوابط"لنزعات الحيوان.
بين هذين الحدين المتطرفين يقف الإسلام، وفي حدوده الرحيبة يمكن أن يحيا الإنسان، حياة طابعها السلامة والاتزان.
ولقد يلتقي الإسلام في نظرته للنفس الإنسانية ببعض النظريات الأخرى، أو يختلف عنها في التفصيلات والفروع. ولكنه يبقى بعد ذلك مستقلًا عنها قائمًا بذاته، وله نظرته الخاصة التي ينبغي أن تدرس على هذا الأساس.
وظلت هذه الفكرة تتضح في نفسي وتتأصل، مدى السنوات العشر التي تلت تخرجي في معهد التربية، حتى وجدتها تدفعني دفعًا إلى تسجيلها في كتاب.
وأنا أعلم أن"الذعر"يصيب بعض المشتغلين بالعلم حين يذكر اسم الدين! وأن"المثقفين"و"أحرار الفكر"تصيبهم النوبة فتكفهر وجوههم وتتشنج عضلاتهم، ويشيرون بأيديهم إشارات عصبية يطلبون تنحية هذا الكلام الفارغ عن مجال البحث العلمي الصحيح!
فأحب أن أقول هنا: إن هذا البحث دراسة نفسية بحتة، وإنه يأخذ مفاهيم الدين أخذًا موضوعيًا خالصًا. فإذا ظهر لنا بعد الدراسة الموضوعية أن الدين هو الصواب، فإنها الحماقة إذن، أو العبودية المقنعة للغرب، هي التي ترفض الاعتراف بالحقائق، خوفًا على حرية الفكر، أو خوفًا من الاتهام بالرجعية والجمود.
وثمة حقيقة أخرى جديرة بالتسجيل: هي أن النزاع قد قام في أوربا بين العلم والدين لأن الكنيسة هناك احتضنت نظريات علمية معينة، قالت عنها: إنها مقدسة، وإنها من وحي السماء، فلا يجوز الخروج عليها، وإلا عدّ الخارجون كفارًا مارقين. فلما أثبت العلم بطلانها كان أمرًا طببيعيًا أن يصدق الناس العلوم التجريبية، وينتفضوا على سلطان الكنيسة الذي يفرض عليهم الأكاذيب، و"يتحرروا"بأفكارهم من ربقة الدين.