حين ندرس فرويد من وجهة النظر التي اتخذناها في الفصل السابق، لا نكون في حاجة إلى استعراض المدارس الغربية الأخرى في علم النفس، فكلها تقريبًا سواء، من حيث نظرتها المادية الحيوانية إلى الإنسان، ومن حيث إسقاطها للجوانب الروحية والعوامل الخلقية من الحساب، على اختلاف ما بينها في الجزئيات والتفصيلات.
ولكنني مع ذلك أرى أنه يبنغي أن نلم إلمامة سريعة بوجهتي نظر أخريين، لا لأنهما تختلفان عن غيرهما في النظرة اساسية إلى الإنسان، بل لأنهما أكثر إيغالًا في الاتجاه المادي الحيواني!
هاتان هما نظرة التجريبيين، ونظرة الشيوعيين.
التجريب هو الطابع الذي يتسم به العصر الحديث. وهو يؤثر بإيحاءاته المختلفة على العقلية الغربية كلها، ولكنه أشد بروزًا في"العالم الجديد"حيث يصل إلى درجة المغالاة، وإلى حد وضع الملح على البطيخ، والسكر على المخللات"لتجربة"طعم جديد!
ومنذ دارون، أو بالأحرى منذ فرانسس بيكون، بدأ العلم ينفصل عن الفلسفة، ويتخذ له طابعًا آخر غير البحث النظري، فاتجه إلى التجربة العملية، واستخلاص النتائج من التجارب الواقعية التي تقع في محيط الحواس، وخطا العلم خطوات جبارة في هذا السبيل في القرنين التاسع عشر والعشرين، ووصل في الهندسة والطبيعة والكيمياء خاصة إلى ما يشبه المعجزات. وكانت القمة التي وصل إليها هي تحطيم الذرة واستخلاص طاقتها، ومحاولة استغلالها فيما يعن للإنسان أن يستغلها فيه .. من تخريب أو تعمير!
وقد كانت النتائج التي وصل إليها العلم التجريبي من العظمة والجبروت، حتى بهرت الناس في الغرب والشرق، بل وصل الأمر في الغرب خاصة إلى عبادة هذا الكائن الجديد، والنظر إليه بعين الإيمان المطلق الذي لا تشوبه شائبة من شك أو جحود!
وإذا كانت أدوات العلم التجريبي هي الحواس، فقد آمن الغربيون بكل ما تصل إليه حواسهم، وأسقطوا من حسابهم كل ما لا تستطيع أن تصل إليه. وأغلقوا منافذ المعرفة جميعًا إلا هذا المنفذ الواحد دون سواه، ساعدهم على ذلك من غير شك طبيعتهم المادية الخالصة، التي ورثوها من روما القديمة، وما تزال توجه حياتهم في كل اتجاه.
لذلك يؤمن الغربيون بكل ما يحمل"خاتم"التجريب، ويأخذونه قضية مسلمة لا تحتمل الشك أو التأويل؛ أما ما لا يخضع للمعمل فهو خرافة! أو هو على الأقل شيء ساقط من الحساب. ولما كانت قضية الألوهية لا تدخل إلى المعمل، ولا تخضع للتجريب العلمي، فقد استغنوا عن القضية كلها، وأعلنوا أن الله غير موجود!
وسرت العدوى من الغرب الظافر إلى الشرق المستعبد، فقامت الببغاوات والقرود، تصيح -من غفلة أو من سوء نية- أن اتبعوا الغرب لعلكم تفلحون، واطرحوا عنكم دينكم وروحانيتكم وأخلاقكم وصفاء سريرتكم، واستبدلوا بها المنطق المادي والأخلاق المادية، فذلك أجدر أن تتحرروا، وتخرجوا من الظلمات إلى النور!
وقد أدى العلم التجريبي للإنسانية خدمات هائلة، وقفز بها في فترة قصيرة إلى مجالات لم تكن تبلغها في الماضي إلا في آماد متطاولة.
وما يستطيع أحد أن يجحد المخترعات الحديثة الجبارة التي أنتجها العلم، فوفر الوقت والجهد، وضاعف طاقة البشرية على الإنتاج.