الصفحة 10 من 162

فرويد عبقرية فذة دون شك.

وقد كان لنظرياته في علم النفس أثر خطير، لم يقف عند حد المباحث النفسية، والتربية والتعليم، بل تعداها إلى كثير من نواحي النشاط الإنساني، فأثر في الأدب والفنون عامة، وفي الطب، والتجارة، وغيرها من شئون الحياة. ولكن أخطر آثاره وأعنفها كان في الحياة الاجتماعية، في أوربا وأمريكا، ثم في الشرق عن طريق العدوى والتقليد. فقد أحدثت نظيته في العقل الباطن، وفي التفسير الجنسي لمختلف نواحي السلوك الإنساني، انقلابات خطيرة جدًا في المجتمع وفي الحياة. وعلى الرغم من ظهور نظريات أخرى جديدة في علم النفس، وبخاصة في أمريكا، إلا أن مفعول نظريته ما يزال يسري في الأفراد والمجتمعات، وما يزال هو الدافع لكثير من الحركات الفكرية هنا وهناك.

نعم. لقد كان لتلك العبقرية آثار بعيدة في أفكار الناس. ولكن العبقرية لا تعني بطبيعة الحال أن فرويد كان على صواب دائمًا فيما يبديه من آراء، ولا تعني أنه لم يخطئ في تفسير النفس الإنسانية أخطاء أساسية خطيرة.

وقد وجه كثير من النقد لنظرياته، وخاصة بسبب إصراره على زج الجنس في كل مجالات النشاط الحيوي للإنسان. وقيل في هذا الصدد: إنه تأثر بدراسة الشواذ الذين كان يفحصهم، ثم أخطأ في تعميم أحكامه المستقاة من حالات شاذة على بقية البشر الأسوياء.

ولكن النقد الأول الذي ينبغي أن يوجه إلى فرويد، هو في أساس نظرته إلا الإنسان على أنه كائن أرضي بحت، لا يرتفع بمشاعره وعواطفه عن عالم الأرض إلا في حالات الشذوذ!

وقد أشرت في الفصل السابق إشارة سريعة إلى تأثر فرويد بدارون، في نظرته الحيوانية المادية للإنسان. وينبغي هنا أن نشرح الإشارة المجملة بشيء من التفصيل:

إن العيب الرئيسي لنظرية دارون ليس في الوقائع العلمية التي بسطها في كتبه، وتابعه فيها أعوانه ومريدوه، بقدر ما هو في إيحاءات تلك النظرية التي خلقت طابعها الخطر، لا في أفكار الجماهير وحدها، بل في اتجاه العلماء كذلك منذ عهده إلى العصر الأخير.

ولن نتعرض هنا للوقائع العلمية التي تحتوي عليها النظرية، وإنما نتعرض للفلسفة التي أدت إلى ظهورها وأثرت في تطبيقاتها فيما بعد. فهذه الفلسفة ليست"واقعًا علميًا"ولا هي"حقيقة موضوعية ثابتة"حتى تكون فوق مستوى النقاش! وإنما هي نزعة شخصية، وزاوية نظر معينة يحاسب عليها صاحبها ولو أدت إلى كشف بعض الحقائق الجوهرية. ذلك أنه ليست الحقيقة ذاتها هي التي تعمل، حتى في ميدان العلم التجريبي كما يخيل لكثير من الناس. وإنما الطريقة التي تعرض بها الحقيقة، والوجهة المقصودة منها، هي التي تمنحها الأثر وترتب عليها النتائج، سواء في العلم أو في المجتمع والحياة.

وهذه حقيقة تستأهل كثيرًا من النظر والتحقيق، فنحن في الشرق خاصة يخدعنا هذا العنوان الضخم، عنوان"العلم التجريبي"فنظن أنه حقائق نهائية ثابتة، لا يعتبر من يتصدى لمناقشتها إلا جاهلًا أو مخرفًا! وقد كان ينبغي أن نحترس في الإيمان بالمعلومات"العلمية"حتى في العلوم البحتة كالرياضيات والطبيعة والكيمياء، ونحن نرى أن العلم ما يزال في طفولته، وما يزال كل يوم يصل إلى آفاق جديدة، فيلغي إلغاء تامًا معلومات كان ينظر إليها بالأمس على أنها"حقائق نهائية"لا تقبل الجدل ولا تحتمل التأويل.

وليس العهد ببعيد حين قال إينشتين: إن قوانين نيوتن في الجاذبية لا تصلح للتطبيق إلا على سطح الكرة الأرضية، ولكنها لا تصلح للكون الكبير. فهي إذن حقائق محلية صغيرة لا حقائق مطلقة. وهي قابلة للنقض والتبديل حين تطبق"على الاتساع"!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت