الصفحة 155 من 162

حين يهبط الإنسان إلى الظلمات الكريهة التي يضع فيها فرويد النفس الإنسانية، وحين يدخل المعمل مع التجريبين فيرى مزقًا منها ملقاة هنا وهناك تحت الاختبار، وقد صعدت منها روائح التحلل المتعفنة، وحين يسير مع المذهب المادي والمذهب الاقتصادي إلى آخر الطريق، فيرى البشرية قطعانًا تحركها الآلة ويسيرها الاقتصاد، دون أن ترتفع لحظة عن قيود الأرض وعالم الضرورة ...

حين يهبط الإنسان إلى هذه المستويات الدنيئة، يأخذه الدوار ويصيبه الغثيان!

هل هذه هي النفس حقا؟ هذه القذارة المغثية، والضرورة الهابطة؟

أم إنها تهمة يطلقها المنحلون وصغار النفوس وملوثو الضمائر، ليداروا ما فيهم من ضآلة ونقص، ويبرروا ما يرتكبونه من آثام؟

هل القيم العليا كلها خرافة؟ والمشاعر النبيلة كلها أوهام؟

هل كانت عبثًا كل دعوة الأنبياء والمصلحين، وكل محاولة لتهذيب الطبائع البشرية؟

وهؤلاء العظماء من كل لون وفي كل باب: الذين ضحوا بصالحهم لصالح الإنسانية. الذين استعصوا على دعاء الشيطان واستمعوا لهاتف الضمير. الذين أقاموا أنفسهم مثلًا رفيعًا للعدل والنزاهة والرحمة والعطف، والاعتداد بالكرامة، والإيمان بالأفكار العليا، والجهاد في سبيلها .. هل كانوا كلهم خرافة؟

أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ... وأبو عبيدة وأبو ذر وعمر بن عبد العزيز ... وغيرهم وغيرهم .. كلهم أوهام؟

ومئات وألوف وملايين في تاريخ البشرية العرض، بعضهم من ذوي الأسماء اللامعة، وأكثره جنود مجهولون في ساحة الشرف، جاهدوا أو استشهدوا في صراع الحياة الأكبر .. كلهم أساطير لم تعمر وجه الأرض، وإنما عمرها فقط الشريرون والخبثاء والمجرمون؟

فلنعد إلى أقذر صورة تخيلها للإنسانية ذهن إنسان! الصورة التي رسمها فرويد جاهدًا ليلوث بها كل جميل في مشاعر البشر!

لنعد إلى هذه الصورة ذاتها، لنجد الجواب على غير ما يزعم الهابطون والمنحلون وصغار النفوس.

قتلت الإنسانية أباها الأول، ليستمتع الأولاد بأمهم في شهوة جنس دنس مسعور. ولكنهم ما كادوا يصنعون ذلك، ويرون أباهم جثة هامدة، حتى اعتراهم الندم على فعلتهم الآثمة ..

ونأخذ الرجل من لسانه!

فمن أين أتى شعور الندم لهذه الحيوانات الهائجة التي تتصرف بدوافع الحيوان؟ من ذا الذي أوحى إليهم بأن عملهم هذا كان خطأ لا يجوز؟

إننا هنا أمام أول شعور إنساني يفرق بين الإنسان والحيوان، وذلك على فرض أن القصة كلها صحيحة، وفرويد نفسه لا يملك على ذلك أي دليل. فهذا الندم على الجريمة يؤكد وجود الحاسة التي تفرق بين ما ينبغي وما لا ينبغي أن يعمل، بين ما هو خيّر وما هو شرير. حاسة تقدر"قيمًا"ذاتية للأعمال، منفصلة عن الدافع الغريزي الذي يدفع إليها.

هذه واحدة.

ثم نظر الأبناء فيما بينهم فوجدوا أن أحدًا منهم لن يفوز بأمه وحده، إلا إذا قتل الآخرين. وإذن فستنشب معركة عنيفة لا تؤدي إلى تحقيق المصلحة المنشودة، فاتفقوا بينهم على أن يتركوا أمهم لا يمسها أحد منهم، وينصرفوا راشدين متآخين، بدلًا من أن يقتتلوا فينقلبوا خاسرين!

وهذه هي الثانية.

فهنا شعور إنساني آخر: شعور التآخي على مصلحة عامة، بدل الأنانية القاتلة والصراع المرذول.

ولا يقف ما نستخلصه من القصة عند هذا الحد. فهي تثبت كذلك مقدرة الإنسان على"ضبط"نوازعه الفطرية في سبيل الخير العام، الذي يعود في نهاية الأمر على كل فرد بما فيه مصلحته الخاصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت