الصفحة 117 من 162

الجنس مشكلة [1] ...

فالإحساس الجنسي هو أعنف الأحاسيس التي تخطر في نفس الفرد، بعد إحساسه بذاته. وطالما كان الإنسان مطمئنًا على ذاته، من الوحوش الكاسرة والمفاجآت القاتلة، فالجنس هو القوة المسيطرة على كيانه، الموجهة له من حيث يشعر أو لا يشعر، في مسارب الحياة المختلفة وطرقاتها المتعرجة، ما لم يكن للحياة هدف أعلى، يستوعب الطاقة البشرية ويوجهها إلى القيم العليا، وإلى الجهاد في سبيل إقامة الحق والعدل.

لذلك كانت المدنيات التي تؤمّن الناس على أرواحهم وأملاكهم أبعث على استثارة العامل الجنسي وتوسيع نطاقه في الحياة، على عكس ما قد يتبادر إلى الذهن، من أن المتوحشين أو البدائيين، أشد اهتمامًا بالمسألة الجنسية. وإن كان ينبغي أن نفرق هنا بين العنف الذي يمارس به البدائيون شئونهم كلها، والجنسية من بينها، مع المجال الضيق والنطاق المحدود، وبين التهذيب العملي مع السعة والشمول عند المتحضرين.

ولذلك أيضًا كانت كل مدنية تجنح إلى الترف وتيسير وسائل العيش، دون أن تقيم للحياة هدفًا أعلى تجاهد في سبيله، أشد استثارة للشعور الجنسي، حتى لتجعله الشغل الشاغل، والهم المقعد المقيم، لا بتأثير الطعام الموفور والفراش الوثير والطاقة المذخورة التي لا تتفق في شيء فحسب، بل كذلك لسد الفراغ الشعوري الهائل الذي يتخلف بعد قضاء كل مطالب العيش من أيسر سبيل.

والمشكلة في الجنس أنه ضرورة وضرر في آن [2] .

ضرورة لأن الحياة لا يمكن أن تستمر إلا بالتزواج الدائم، الذي لا يقف في جيل من الأجيالأ. فلا بد إذن أن يكون في نفس كل فرد في كل جيل ما يحمله على طلب الجنس الآخر ليتم التزاوج، ويخرج النسل الجديد الذي يعمر وجه الأرض. ولا بد أن يكون هذا الدافع من العنف والإلحاح بحيث لا يتمكن الفرد من الإفلات منه، ولو حدثته نفسه بالإفلات!

وضرر لأن الاستجابة الكاملة لهذا الدافع الملح تؤدي إلى هبوط الإنسان إلى مرتبة الحيوان، وتفسد الحياة كلها إذ تنتهي بها إلى أن تكون ضرورة جسد ونشوة غريزة، لا ترتفع إلى فكرة عليا، ولا شعور إنساني، ولا فن رفيع. وبذلك يتحطم المجتمع وتنهار الحضارة وينتهي كل شيء إلى البوار.

والتوفيق بين هذين المتناقضين هو مهمة الإنسانية!

ففي عالم الحيوان تقوم الغريزة بتنظيم مواسم معينة للنشاط الجنسي، حتى إذا تمت المهمة، وحملت الإناث بذور الأجيال القادمة، صام الذكر والأنثى كلاهما عن كل محاولة جنسية، صيامًا ينشأ من عدم وجود الرغبة، لا من ضبطها وتقييدها بإرادة الحيوان.

أما الإنسان فقد تحرر من هذا القيد، وصارت الأيام كلها عنده موسمًا صالحًا لهذا النشاط. وفي مقابل الحرية تقوم دائمًا تبعة، فتلك سنة الحياة!

(1) خطر لي فيما بعد (في الجزء الثاني من منهج التربية الإسلامية) أن استخدام كلمة"مشكلة"بالنسبة لأي دافع من الدوافع الفطرية أمر بعيد عن الصواب. وأن"المشكلة"لا تنجم من الدافع الفطري في ذاته، إنما تنجم من التوجيه الفاسد لتلك الدوافع. وأنه حين يطبق منهج التربية الإسلامية تطبيقًا صحيحًا في مجتمع مسلم فلن توجد"مشكلة"جنسية! (راجع منهج التربية الإسلامية، الجزء الثاني) .

(2) خطر لي فيما بعد (في الجزء الثاني من منهج التربية الإسلامية) أن استخدام كلمة"مشكلة"بالنسبة لأي دافع من الدوافع الفطرية أمر بعيد عن الصواب. وأن"المشكلة"لا تنجم عن الدافع الفطري في ذاته، إنما تنجم من التوجيه الفاسد لتلك الدوافع. وأنه حين يطبق منهج التربية الإسلامية تطبيقًا صحيحًا في مجتمع مسلم فلن توجد"مشكلة"جنسية! (راجع منهج التربية الإسلامية، الجزء الثاني) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت