وهذه التبعة تقتضي أن يقوم الإنسان نفسه بتنظيم مشاعره الجنسية وضبطها، بحيث تحقق أهدافها المرسومة، ولا تعود عليه بالضرر فردًا أو جماعة.
وعلى قدر توفيقه في هذه المهمة يكون مدى ارتفاعه في سلم الرقي. فلن يكون مرتفعًا إذا هو أغرق في ملذاته الجنسية دون أن يصحو إلى أهداف الحياة الأخرى، التي لا تقف عند مجرد استمرارها على وجه الأرض، بل تهدف دائمًا إلى التحسين والارتفاع.
ولن يكون مرتفعًا الرفعة الحقيقية إذا هو أهمل دافع الجنس، ليتطهر ويتسامى بروحه عن ضرورات الأرض. لأنه بذلك يقف في طريق غرض أصيل للحياة، فضلًا عما يصيبه هو من كبت وإرهاق.
وإنما يرتفع حقًا حين يصل إلى التوازن بين المطالب المختلفة والنزعات المتباينة. بين ضغط الجسد وانطلاقة الروح، بين واقع الأرض المحدود، وفسحة السماء التي لا تعرف الحدود.
والحياة كلها في أفقها الأعلى محاولة دائمة للتوازن بين مختلف النزعات.
وما يزعم أحد أنها محاولة سهلة رفيقة. فهي محاولة مشقية لا يصل إليها فرد إلا وقد بذل من جهده ومن راحته. وقد يحتاج أن يبذل فيها الدماء والدموع!
ولكنه يجد سعادته من خلال هذه الآلام ... سعادة الشعور بالرفعة والامتياز. سعادة القدرة على الانطلاق لحظة من قيود الضرورة المرهقة، والانفلات من الظلمة الكابية إلى إشراقة النور.
ومتى كانت الحياة خلوًا من الآلام؟
لو أن الانطلاق الكامل مع رغبات الجسد، يمنح النفس سعادة كاملة لا يشوبها القلق والعذاب، لكان هناك شيء من المنطق في دعوة الراغبين في الهبوط! ولكنه ليس كذلك في الواقع، فهو يبعث اللهفة الدائمة ويؤدي إلى شقاء الجسد والأعصاب ..
ولكنه شقاء خطير!
وعلى قدر مكان الإنسان في سلم الرقي، يكون شقاؤه وسعادته. فهو في دركه الأسفل يتمتع كما تتمتع الأنعام، ويشقى بالتفاهات الحقيرة التي لا تزن جناح بعوضة!
وهو في أعلى آفاقه يشقى في جهاد الشر المنبث في الحياة والأحياء، ويسعد كذلك بلذة الانتصار.
فإذا لم يكن من الشقاء بد، في مقابل قدر من السعادة، فعلام يا ترى نحرص على الشقاء الحقير في مقابل نعيم حقير؟!
وحين نتحدث عن الجنس فلا مناص من ذكر فرويد، فقد كان يوجه اهتمامه لهذه المسألة إلى درجة المبالغة والشذوذ! وقد ألف كتابًا خاصًا بشأنها سماه Three Contributions to the Sexual Theory، ولكن كل كتبه الأخرى تدور حول الغريزة الجنسية، لأنه يجعلها مدار الحياة كلها، ومنبع المشاعر البشرية جميعها بلا استثناء.
ويصل به التعسف في تقرير نظريته إلى حد أن يصبغ كل حركة، حتى حركات الطفل الرضيع، بصبغة الجنس الحادة المجنونة. فالطفل يرضع فيجد في رضاعته لذة جنسية! ويلتصق بأمه بدافع الجنس! (والطفلة يا ترى هل تحس نحو أمها بنفس الدافع؟) وهو يمص إبهامه بنشوة جنسية، ويحرك أعضاءه بنفس الدافع ولنفس الغاية! وهكذا وهكذا إلى آخر الأوهام التي يقيمها بغير دليل، إلا دليلًا واحدًا مشكوكًا فيه هو حالات الشذوذ. وقد بينا في فصل"فرويد"رأينا في استدلالالته الخاطئة من حالات الشذوذ.
والحضارة كلها ناشئة من الغريزة الجنسية، لا لأنها تجمع الذكر والأنثى، فتخرج منهما نسلًا، فيتكون المجتمع، وتتعدد ضروراته فترتقي حياته ... كلا! فهذا كلام مفهوم معقول، لا يحتاج في بيانه إلى عبقرية ولا شذوذ! وإنما الذي يحتاج إلى العبقرية والشذوذ أن يقول: إن الإنسانية الأولى قتلت أباها، لأن الأبناء طمعوا في الاستيلاء على أمهم والاستئثار بها دون أبيهم، لأنهم يحسون نحوها بشبق الجنس. فلما قتلوه وجدوا أنهم سيدخلون في معركة عنيفة لتقرير غلبة أحدهم، واستيلائه على أمه. لذلك كبت الأولاد شعورهم الشهوي نحو أمهم. ومن هذا الكبت نشأت الحضارة!!