وحين قتلوا أباهم بدافع الصراع الجنسي نشأ الدين! فقد أحسوا بالندم على فعلتهم فقدسوا ذكرى الوالد، وجسموه في حيوان، فعبدوا الحيوان! ثم ظلت الفكرة ترتقي حتى عبدوا إلهًا ما .. وذلك قبل أن تنزل الأديان. ولكن نزول الأديان من السماء لم يخرجها عن نطاق الجنس. فقد أراد المسيح أن يقتل أباه ثم جعل نفسه إلهًا مكانه، كما قتل الولد الأول أباه ليأخذ مكانه مع الأم!!
على هذا النسق من التعسف والسخف يجري فرويد في تفسير السلوك الإنساني كله على ضوء الجنس. وما يحتاج الإنسان، لكي يؤمن بقوة الدافع الجنسي وتعمقه، أن يصل إلى كل هذا التعسف السخيف. فما من شك في أن الحياة كلها لا يمكن أن تقوم بغير المشاعر الجنسية التي تجمع بين الجنسين، ومن تطور هذه الغريزة نشأت الأسرة بكل ما فيها من مشاعر التعاطف والود والأمومة والأبوة. ومن أجل الأولاد خرج الوالد للعمل والإنتاج، وبدافع الصراع وحب الغلبة، تحسنت وسائل الإنتاج وارتقى العلم ...
ومن هذه الغريزة كذلك نشأ الفن. فهو في مبدئه حنين جنس إلى جنس، وفرحة باللقاء. وظل يرتقي حتى شمل الجمال كله في الكون العريض، وبعد عن منبعه الأول، ولكنه ما زال على صلة به لا يفترقان.
ومن رغبة كل جنس في أن يعجب الآخر نشأ كثير من المشاعر والأعمال، فتفنن الرجل في إظهار قوته ومقدرته، وتفننت المرأة في إبراز جمالها وفتنتها، وإظهار مقدرتها على تدبير المنزل بمختلف شئونه. فكان الجنس باعثًا هامًا من بواعث الحيوية في كلا الجنسين.
وهكذا لا نكاد نجد شيئًا في حياة الرجل والمرأة لم يدخل فيه الجنس من بعيد أو قريب. ولكن تفسير الحياة -في أبسط صورها- بباعث واحد، أو عنصر واحد، خطأ علمي لا يرتكبه إلا الأطفال. وقد كان فرويد مخطئًا أشد الخطأ حين قصر تفسير الحياة كلها على دوافع الجنس، مهما كانت من القوة والشمول.
على أن هذه الأحكام العامة على الطاقة الجنسية لا ينبغي أن تنسينا حقيقة مهمة: هي اختلاف طبيعة الإحساس الجنسي بين الرجل والمرأة، مع اشتراكهما في الأصل الكبير.
فكل منهما مهيأ لوظيفة معينة. وعلى حسب تلك الوظيفة صيغت مشاعر كل منهما وأفكاره، كما صيغ جسده من قبل، بحيث يؤدي وظيفته المرسومة على أفضل وجه.
وإذ كان الرجل بتكوينه الجسدي والعصبي مكلفًا بالصراع الخارجي لكسب القوت، فقد تضخم إحساسه بذاتيته، ونزعته إلى السيطرة، ليكون ذلك هو الدافع الذي يدفعه إلى الصراع. ولم يعد الجنس يستغرق من جسده ولا تفكيره بقدر ما يستغرق من جسد المرأة وتفكيرها. وبغير ذلك لم يكن يتيسر له أن يفرغ إلى مهمته الأولى أطول وقت مستطاع.
ولكن هذا ليس معناه أنه طليق من الإحساس بالجنس، أو قادر على الإفلات منه لو أراد. كلا! فإن ذلك يفسد أغراض الحياة! وإنما معناه فقط أن الرجل يستطيع أن ينصرف بفكره أحيانًا عن مسائل الجنس إلى ألوان أخرى من الحياة لا تتصل اتصالًا مباشرًا بالمشاعر الجنسية، كما يستطيع أن ينصرف عنه بجسده في كثير من الأحيان.
وللتوفيق بين هذين الغرضين المتزاحمين في نفس الرجل، فإن مشاعر الجنس في نفس الرجل أقرب إلى النزوة الطارئة المركزة، أو الشحنة الكهربائية الجارفة، التي تنزع إلى التفريغ، فإذا أفرغت هدأت واستقرت .. حتى تعود من جديد. وفي خلال ذلك ينصرف الرجل إلى شئون الصراع.
أما المرأة فليس إحساسها كذلك. وليس ينفي هذا أنها تشعر بوجود الشحنة الجارفة التي تطلب التفريغ، ولكن كثيرًا ما يكون هذا نتيجة الإثارة الموضعية التي تصاحب العمل الجنسي.