العلاقة بين الفرد والمجتمع هي الموضوع الرئيسي لعلم الاجتماع. وهي كذلك مبحث أساسي من مباحث علم النفس، فلا يمكن أن تدرس النفس الإنسانية دراسة حقة، من غير التعرض لهذا الجزء المهم من كيانها الأصيل. كما أن للحكومات والشعوب المختلفة آراء نظرية وتطبيقات عملية في هذا الموضوع. وقد كان طبيعيًا أن تختلف الآراء بين هؤلاء وأولئك تبعًا لاختلاف الزاوية التي ينظرون منها، واختلاف الهدف من ورائها كذلك.
فأما علماء النفس الفرديون فينظرون إلى المجتمع دائمًا من وجهة نظر الفرد. فيبالغون في تقدير أهمية الفرد كشخصية مستقلة لها كيان منفصل عن الآخرين. كما يبالغون في الحجر على حق المجتمع في تأديب الفرد الخارج على طاعته.
ومن الجانب الآخر تبالغ الدول الاستبدادية في تحقير قيمة الفرد، وتصوره هباءة فارغة لا يكاد يكون لها وجود منفصل عن الجماعة.
وكلتا النظرتين مبالغ فيها إلى حد الإسراف المعيب.
فالفرد الذي يبلغ إحساسه بنفسه وذاتيته أن ينسى وجود الآخرين، والمجتمع الذي لا يفرض للفرد أي وجود مستقل؛ كلاهما يتجاهل طبائع الأشياء ويغفل عن حقيقة نفسية مهمة ..
فما هو المجتمع في الحقيقة؟
وما ذلك الخط العجيب الذي يفصل بين الفرد والمجتمع؟
إن الفصل بينهما فكرة عجيبة لا تثبت أمام البحث العلمي الصحيح. والحديث عن الفرد والمجتمع كأنهما قوتان منفصلتان، أو معسكران متقابلان، هو من عيوب البحث النظري الذي يتصور حالات وقضايا لا وجود لها في واقع الأمر. كما كانوا يتحدثون في النقد الأدبي عن اللفظ والمعنى كأنهما شيئان يمكن أن ينفصلا، ويكون لأحدهما وجود مستقل عن الآخر. والتشبيه مع الفارق دون شك.
إن الفرد لا يمكن أن يكون فردًا خالصًا، ذا كيان مستقل مقابل لوجود المجتمع، إلا إذا تصورنا جدلًا أنه قد اعتزله تمام الاعتزال، بجسمه وأفكاره ومعاملاته جميعًا. وهذا أمر مستحيل الحدوث عمليًا، ولا حتى في مستشفيات المجاذيب!
والمجتمع هو مجموع الأفراد. تلك بديهية لا تحتاج إلى مجرد ذكرها؛ فكيف يوجد المجتمع إذن منفصلًا عن وجود الفرد، وهو الوحدة التي يتكون منها المجموع؟
في عالم النظريات فقط يمكن أن يوجد الفرد المستقل، والمجتمع الذي يتكون منفصلًا عن وجود الفرد الذاتي. أما الواقع العملي فلا يعرف هذه التفرقة العجيبة، لأنها من المستحيلات العقلية.
إن الواقع المحسوس هو أن كل فرد هو في ذات الوقت كائن مستقل وعضو في جماعة؛ ولا تكاد توجد لحظة واحدة ولا فكرة ولا عمل يمكن أن يزاوله الفرد بإحدى صفتيه دون الأخرى، وإن بدا في ظاهر الأمر أن هذا مستطاع.
فمنذ خرج الإنسان من عزلته في الكهف تكوّن مجتمع. بل إن المجتمع قد تكوّن قبل ذلك، في داخل الكهف ذاته. فمنذ حدث على ظهر الأرض إن وجد فردان من النوع البشري، يشتركان في علاقة معينة، لم يكن هناك فرد له وجود كامل الانفصال، بجسمه ومشاعره وأفكاره وأعماله.
ومعنى ذلك أن الفرد بهذا المعنى لم يوجد قط. وحتى الأساطير التي تصور شخصًا وجد بمفرده في جزيرة نائية، ليس فيها أحد غيره من الأحياء، فسرعان ما تخلق حوله مجتمعًا من الجن أو غيره من المخلوقات، لأنها -حتى وهي أساطير- تراعي تلك الحقيقة الثابتة: وهي أن الإنسان لا وجود له في صورة فرد مستقل. وقد وُجد المجتمع في نشأته الأولى لأن أفراد النوع البشري منذ مولده -أيًا كان مولده- لم يستطيعوا أن يعيشوا منفصلين تمام الانفصال. بل أحسوا دافعًا قويًا لا يغالب، في أن يتصل بعضهم ببعض على نحو من الأنحاء.