فالمجتمع إذن حاجة نفسية نبعت من نفس الفرد، من رغبة ملحة في ألا يعيش وحده. وسواء كان الخوف من الانفراد، والشعور بالوحشة أمام الحيوانات المفترسة، وقوى الطبيعة المجهولة. أو كانت المصلحة، حين وجد كل فرد أنه يستطيع أن يدرك بالاشتراك مع غيره، ما لا يستطيع أن يدركه وحده. أو كانت غريزة الجنس، أو نزعة القطيع ... فالنتيجة الأخير واحدة، وهي أن نزعة لا تقهر، هي التي أنشأت المجتمع من ضمير الفرد.
هذه النزعة أقوى من كل رغبة أخرى في النفس البشرية مضادة لها في الاتجاه. أقوى من شعور الإنسان بنفسه كوحدة مستقلة، وأقوى من المنازعات التي تنشأ من اجتماع أفراد لكل منهم مطامع خاصة لا تلتقي مع الآخرين. وأقوى من رغبة كل فرد في أن يكون له السلطان المطلق المفرد لا على الآخرين فحسب، بل على عناصر الطبيعة أيضًا ... ولولا ذلك ما استطاعت أن تصمد لتلك الرغبات المتعارضة، بل لما استطاعت أن تخضع لها الرغبات الأخرى بالتدريج، وتهذبها وتكسر من حدتها، حتى تتمشى معها إلى أطول مدى مستطاع.
وقد كان أمرًا طبيعيًا وبديهيًا، أن يكون المجتمع الأول في أضيق نطاق ممكن، وأبسط صورة ممكنة: أسرة: زوج وزوجة وأبناء. فتلك أول مجموعة يمكن أن تتغلب فيها نزعة الاجتماع، على النزعات الفردية المستقلة، وتخضعها لسلطانها بأي طريق.
ومنذ تلك اللحظة صارت الأسرة هي الوحدة بدلًا من الفرد؛ ومع أن الفرد ظل محتفظًا بكيانه كشخصية مستقلة، إلا أنه قد اكتسب في الوقت ذاته صفته الأخرى كعضو في جماعة، ولم يعد في طوقه أن يحس أو يفكر أو يعمل إلا بصفتيه في آن واحد. فهو يخرج للصيد بنفسه -نعم- ولكنه يصطاد لزوجته وأبنائه أيضًا. فكأنه يحمل في قلبه وفكره وهو يصطاد، أشخاص الآخرين الذين من أجلهم يدخل الأدغال، ويجاهد الوحوش. وهو يلبي مع زوجته دافع الجنس، بصفته جسدًا فردًا له غريزة -نعم- ولكن هذا ينتج منه بنات وبنون: أي أحداث خارجة عن نفسه وجسده، وهي منها في الوقت ذاته. وهكذا يتداخل وجود الآخرين في وجوده، ووجوده هو في وجود الآخرين، بحيث لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر في نفوس المجموعة المكونة لهذا المجتمع الصغير.
وقد كان طبيعيًا كذلك أن تتأخر مرحلة امتزاج أسرة بأسرة لتكوين مجتمع أكبر، حتى تستطيع المصلحة المشتركة أن تتغلب على نزعة كل أسرة للاستقلال والسيطرة الكاملين. وهنا تكون الوحدة التي تتفق أو تتصارع، هي الأسرة بدلًا من الفرد، ولكنها في الوقت ذاته الأسرة بمن فيها من الأفراد. أي أن كيان الأسرة مستمد من كيان أفرادها، دون أن يفقد الفرد وجوده في ذات الوقت.
ثم ظل المجتمع يرتقي ويكبر، كلما تلاقت مصالح الناس، فغلّبوها على نوازعهم الفردية، حين يجدون أن ذلك يحقق لهم قدرًا من النفع المشترك أكبر مما يستطيعه الفرد وحده، أو الأسرة بمفردها، فوجدت العشائر والقبائل ثم الأمم والشعوب. ولم يقف رقيّ المشاعر عند هذا الحد، بل صارت الإنسانية تهدف إلى مجتمع إنساني شامل، يعم فيه الإخاء كل سكان الأرض. وذلك حلم إن لم يكن قد تحقق فهو على أي حال رغبة تشير إلى الاتجاه.
ولكن المهم أن الفرد قد ظل في جميع هذه الأطوار ملازمًا لصفتيه المسيطرتين على كيانه: صفته كفرد مستقل وصفته كفرد في مجموعة. ولكن الصفة الثانية قد أخذت تتسع وتبرز، وتبسط نفوذها بالتدريج على"مساحات"أوسع في نفس الفرد، ومشاعر وعواطف كانت من قبل أقرب إلى أن تكون فردية خالصة. ولم يعد في وسع الإنسان -حتى في أشد أوقاته انفرادًا بنفسه- أن يكون فردأً منفصلًا عن الآخرين، ما دام يحمل دائمًا في قلبه ومشاعره صورة من المجتمع الخارجي.