بسم الله الرحمن الرحيم
"وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا"
[قرآن كريم]
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الكتاب هو أول كتبي، ومن أحبها إلي!
إنه يمثل في نفسي خط الاهتداء إلى الإسلام!
ولقد عشته سنوات طويلة قبل كتابته بالفعل. عشته خواطر متفرقة وتأملات متشعبة في النفس والحياة. ولكنها لم تتبلور ولم تأخذ صورتها النهائية إلا في أثناء كتابة الكتاب!
ولذلك أحسست وأنا أكتبه أنني أجد نفسي! وأجد إسلامي واضح الصورة مفصل القسمات!
ولقد كان مدخلي إليه هو دراسة النفس الإنسانية. وما زال هذا أوسع مداخل البحث لدي. فأنا أشعر دائمًا أن دراسة النفس الإنسانية هي القاعدة التي نبني عليها معرفتنا وتصوراتنا في كل ما يختص"بالإنسان"سواء كان أدبًا وفنًا، أو تاريخًا، أو سياسة، أو اقتصادًا، أو اجتماعًا، أو تربية وعلم نفس .. وأننا لا نستطيع أن نخوض في هذه المجالات بغير تصور سليم ودراسة وافية للنفس الإنسانية.
وأيا كان الرأي فهذا هو المدخل الخاص الذي دخلت منه إلى الدراسة الموضوعية في هذا الكتاب، وفي كتب كثيرة تالية .. وما زلت مقتنعًا بأنه يمكننا التوصل إلى كثير من الحقائق عن هذا الطريق!
ثم إن هذا الكتاب -في الوقت الذي تبلورت فيه أفكاري ومشاعري و"مدخلي"إلى الإسلام ذاته- كان في الحقيقة"مستودعًا"لكثير من الأفكار التالية التي تولدت عنه، فكانت امتدادًا له أو بلورة أو تخصيصًا لما جاء فيه من موضوعات. وبهذه النظرة أنظر مثلًا إلى كتاب"شبهات حول الإسلام"و"في النفس والمجتمع"و"معركة التقاليد"و"منهج التربية الإسلامية"و"دراسات في النفس الإنسانية"و"التطور والثبات في حياة البشرية"وحتى"جاهلية القرن العشرين"!
لقد كانت كلها بذورًا محتواة في الكتاب، أو براعم تفتحت فيما بعد وامتدت في شتى الاتجاهات ..
وربما كان هذا كله تفسيرًا للصلة النفسية التي تربطني بالكتاب!
غير أنه ينبغي لي أن أقول إنني عند مراجعتي له من أجل هذه الطبعة -وتلك أول مراجعة حقيقية منذ كتبته أول مرة سنة 1951 - وجدت أن هذه المدة المتطاولة من الزمن قد فعلت فعلها ولا شك في طريقة تفكيري وفي موقفي من بعض قضايا الكتاب!
لقد وجدت مثلاُ أنني أعطيت فرويد -والتفكير الغربي عامة- أكثر مما ينبغي من"التوقير العلمي"! وأن هذا التفكير الغربي -بما فيه فرويد بالذات- لا يستحق كل هذا التوقير، ولا كل هذه العناية بتفنيده! ولست أعني بذلك أنني عدلت عن منهج المناقشة الموضوعية لأية فكرة أو نظرية. بل هذا الذي ينبغي دائمًا أن نفعله. ولكن المناقشة الموضوعية شيء و"التوقير"شيء آخر .. وأرى اليوم -بعد زيادة خبرتي بانحرافات الفكر الغربي، وبمخططات الإفساد التي تخطط لإفساد البشرية - أن ذلك الفكر يناقش- إذا لزم الأمر- مناقشة موضوعية، نعم، ولكن بغير الحفاوة والاحتفال الذي كان قبل عشرين سنة من الزمان! وأن الأجدر بنا أن نعرض حقائق الإسلام المشرقة الوضيئة دون التفات لتلك الانحرافات!
ومع ذلك فقد رأيت أن أبقي الكتاب تقريبًا على ما كان عليه، فيما عدا تعديلات خفيفة في بعض الألفاظ. ولكني أضفت مجموعة من الهوامش تبين موقفي من بعض ما جاء في الكتاب من قضايا خاصة بفرويد وبالتفكير الغربي.
ولست أدرس بعد هل انتهت"البراعم"التي كانت كامنة في هذا الكتاب، أم إنني سأجد مزيدًا منها في المستقبل يوحي إليّ بكتاب جديد؟!
والحمد لله أولا وآخرًا .. ومن الله التوفيق.
محمد قطب